الزلزال (2)

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

- أظهرت إحدى الكاميرات صورة شخص يحمل جثة في كيس أسود على درّاجة هي جثة أحد أقاربه ويسرع بها إلى المقبرة. أخذت الكاميرا الصورة من الخلف؛ أي والدرّاجة تبتعد مسرعة بين السيارات، وكانت صورة تلفزيونية متحركة، ولكنّها توثّق تماماً لجثة فوق درّاجة، ولم يكن سائق الدرّاجة بحاجة إلى صحفي ليسأله عن الجثة، وأهلها، وأين هو ذاهب بها، كما لم يكن الميّت، في كيسه الأسود، يحمل هوية شخصية بالنسبة لنا، لكن الكيس الأسود فوق الدرّاجة كان طويلاً.

***

- اضطر المهاجرون السوريون وغيرهم من ذوي الموتى والأحياء، إلى نصب خيام وسط المقابر.. ولعلّ موتى المقابر أو أن المقابر، دائماً، هي الأقل ضرراً في الزلازل والحروب والكوارث.. أولئك الهادئون المطمئنون المنتقلون بأسمائهم ودياناتهم وشبابهم وشيخوختهم إلى الرفيق الأعلى.. إلى الله الرحمن الرحيم، يستقبلون ذويهم الأحياء في المقابر. لا أسواق. لا ضجيج. لا كراهية. لا حسد. لا مؤامرات. لا وضاعة، ولا انتهازية. ولا حقد.. فقط كل جلال الموت هذا.

***

- أخرجت فرق الإنقاذ شاباً من تحت الأنقاض يبدو في العشرين أو أول الثلاثين. شاب هادئ، وفوق هدوئه وهو يتحدث إلى الصحفي الميداني، كان وسيماً بحيث إن الأنقاض حوله «جميلة».. لخّص الشاب الوجود والزمن والحياة وهو يتحدث ببطء: «كنا ساعات طويلة تحت الركام: لا ضوء، لا وقت، لا شيء».

توقفت عند كلمته: «لا وقت».. هل يحتاج الإنسان إلى الزمن تحت الأنقاض. الشاب قال أيضاً: «لا ليل لا نهار»، ولكنه لم يتحدث عن حاجته إلى الأكل ولا حتى إلى الماء. قال: «لا ضوء. لا وقت».

الوقت هو الحياة. الساعة تعرّفك إذاً إلى الليل وإلى النهار، ربما لكي نعرف هل أنت حيّ في الليل، أم أنت ميت في النهار..

***

- خرجت امرأة في الثانية والأربعين من تحت الرمل والحجارة والحديد والأسمنت الذي حوّله الزلزال إلى خيوط عظمية معدنية. المرأة خرجت إلى الحياة بعد 222 ساعة، وبعد يومين انتشلت فرق الإنقاذ امرأة في السبعين بعد مرور أكثر من 200 ساعة.

في رواية الزلزال، وحتى كتابة هذه السطور، ما زال يخرج أحياء من فم الموت.. أطفال وشباب وكهول. طوال القامة دائماً حتى لو كانوا أطفالاً؛ ذلك أن الإنسان يمدّ رقبته دائماً  إلى أعلى، وهو يقول: «احمني يا ربّ».

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"