أجمل من أطفال ناظم حكمت

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

قد لا تنسحب مقولة ناظم حكمت على الكتب وقراءتها حين كتب ذات يوم عبارته الشهيرة الجميلة «إن أجمل الأطفال هم من لم يولدوا بعد»، فهل يمكن القول إن أجمل الكتب هي التي لم نقرأها بعد، بخاصة كتب الشعر التي لم يتجاوز الكثير منها ماضي الكتب: دواوين المتنبي وأبي تمام والبحتري، والمعلّقات، و«المعلّقات» الأممية الأخرى مثل «الأوديسة»، و«كوميديا دانتي»، و«أندلسيات لوركا»، أو غجريّاته، وإلى ما لا نهاية من القائمة الذهبية وحتى الفضية من شعر العالم والحضارات.

الشعر العربي، وشعر جهات الأرض الأربع لم يمت، ولكن الكثير منه يحتضر، ويبقى دائماً القليل، والقارئ قنوع وجميل دائماً حين يرد على نفسه: «أكتفي بالقليل»، ولكن في مقابل عبارة ناظم حكمت.. هل يمكن القول إن أجمل الكتب هي التي قرأناها، ولن نقرأ مثيلاً لها غداً وربما بعد غد؟

سؤال أو تساؤل يأخذك إلى قراءاتك أمس، قراءاتك حين كنت فتى، وحين كنت شاباً، وحين نضجت في الأربعين، واكتهلت في الخمسين، فاستيقظ حنينك كلما تقدم بك العمر وأخذ قلبك يتلفّت، كما تلفّت قلب الشريف الرضيّ «وتلفّتت عيني فَمُذْ خَفِيَتْ عنّي الطلولُ.. تلفّتَ القلبُ».

ولكن القراءة، كل قراءة، ليست طللاً، وليست أثراً يغطيه الرمل، بل هي تكوين وتربية ولياقة..

في الصِّبا والشباب قرأنا «تحت ظلال الزيزفون»، و«دمعة وابتسامة»، و«تحت وسادتي»، والكثير ممّا خدعنا به نزار قباني، ولاحقاً فروسيّات المتنبي الكاذبة مثل كذب فروسيات ثربانتس، فامتلأت وسادات نومنا مرّة بالدموع، ومرّة بريش الطواويس، ومن أجمل ما قيل عن الطاووس أنه مهما ركّبت له من الريش فإنه لن يقوى على الطيران، وكذلك بعض أو الكثير من بني البشر لو أوقفته فوق أربع طوبات، فلن تطول قامته ربع بوصة.

حلو مثال الرجل والطاووس هذا، مع الفرق الكبير في الطبيعة، وفي الفطرة، لا بل إن الطاووس يبدو، أحياناً، أكثر نبلاً من بعض البشر. هؤلاء الأخيرون يجلسون مثلاً في كراسي الزعامة والمناصب، فتكبر رؤوسهم وأطرافهم، وفجأة، ينكسر الكرسي، فيطير الرجل الطاووس.

أخذت المثال المرير أعلاه من الشعر. قرأت ذلك في كتب أمس، ولم أقرأه في كتب اليوم، ولا أحسب أنني سأقرأه في كتب الغد، ومرة ثانية، قل لنفسك بكل ثقة: إن أجمل الكتب تلك التي قرأناها أمس، على النقيض من ناظم حكمت.

كان ناظم حكمت قارئاً نهماً، كما يقولون، وقد ارتبطت عادة القراءة بصفة «نهم»، أي بمعنى آخر «الشراهة»، والشراهة عيب فادح في الذات البشرية، وأتردد كثيراً في استخدام «نهم» في القراءة. القراءة شغف. حب. صداقة، قل: نظافة.

كن نظيفاً بالكتب، بل بالكتب تصبح خفيفاً وجميلاً، أيضاً، أجمل من أطفال ناظم حكمت.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"