تحدث في شهر رمضان من كل عام «أزمة سير» خانقة بالطبع، ولكن من نوع الكوميديا الهابطة التي تستجدي الضحك من البشر، وتستخدم في ذلك أدوات بشعة مثل الصراخ والصخب، وأحياناً العنف، وفي هذه الحالة عليك أن تضبط أعصابك وتتحلّى بالصبر والهدوء إذا ما ظهر لك مشهد من هذا النوع الهستيري، وأسوأ من ذلك، وبخاصة في رمضاننا هذا، ظهر نوع من الكوميديا يمكن لك أن تسميه مجازياً كوميديا العجائز، وما هو بكوميديا، وما هو لائق بسيّدات فنانات محترمات تقدّم بهن العمر، فغيّر من ملامحهن ومن أجسادهن؛ وإذ بهن في عمود العود اليابس يتصابين ويدخلن أزمة السير تلك، وما هنّ بحاجة إلى مثل هذا الدخول، حفاظاً على صورهن الشابة الأنوثية القديمة في الزمن الذي يسمى جميلاً.
ما يجري في بعض بل في كثير من تلفزيون رمضان، استهانة بذائقة المشاهد العربي، وضحك على ذقنه وعينيه وأعصابه، وكل هذه الصورة السوداء لا تلغي بالطبع الصورة البيضاء النظيفة لمسلسلات محترمة درامية وكوميدية مُقْنِعة للعين والعقل والروح.
هذا اللامعقول في مسرح وتلفزيون وفن الكوميديا وغير الكوميديا كان موضع النقد اللاذع والاستنكار الثقافي منذ أمد بعيد، منذ دون كيشوت، فاقرأ معي ما قاله ثرفانتيس المولود في عام 1547 عن مسرح سماه مسرح البلهاء... «.. إن الكوميديا تقوم على الخرافات ابتغاء إدهاش البلهاء، واجتذابهم إلى المسرح، وكل هذه الأمور تسيء إلى الحقيقة وإلى التاريخ؛ بل وإلى الكتّاب الإسبان فتسربلهم بالعار، لأن الأجانب وهم يراعون بالدقة التامة قواعد الكوميديا، ينظرون إلينا على أننا هَمَج وجهلة حين يرون ما في مسرحياتنا من استحالة وعدم معقولية..».
طبعاً أنا هنا أستعير من ثرفانتس ما قاله آنذاك حول المسرح الكوميدي في إسبانيا، لأسقط ذلك على تلفزيون الكوميديا في – زماننا هذا، وسوف نعرف أنه لا تاريخ محدداً للبلاهة والخراقة واللامعقول ومثلما كان في زمن محارب الطواحين نصابون ودجالون وفهلوية في الفن، ففي زماننا أيضاً أشباه أو امتداد لهم:.. زعران وشبيحة وبلطجية يمكن أن يتحولوا إلى نجوم تلفزيون وسينما وإنتاج وتسويق فني وكتّاب سيناريو وفي موازاتهم نقاد فن، كان يسمون في صحافة مصر نقاد الشنطة.
مرة ثانية.. كل هذا الغث الأعجف لا يمكن أن يغطي على السمين الطيب المُقنع ليس في الفن فقط؛ بل، وفي الأدب، وفي كل مكان وكل زمان، فهي ظاهرة وهي تاريخ أيضاً بدءاً من روما فأثينا، فإسبانيا، فحوض البحر الأبيض المتوسط،.. وليس انتهاءً بآسيا وإفريقيا – الفقيرتين – الجميلتين وأوروبا – العجوز.. ففيها أيضاً كوميديا عجائز.
[email protected]