صدف أن كنت في ظرف قراءة اجتمعت فيه المذكرات أو السيرة، وكانت مناسبة ممتعة فعلاً أن تقرأ عن حياة أكثر من كاتب في آن واحد، والكل يعترف، أو الكل يسرد سيرته، وأنت تقارن بين هذا وذاك..
كتب سير لكل من إدوارد سعيد، والشاعر وليد سيف، والراقصة الأمريكية إيزادورا دونكان، وجان جاك روسو، ونوال السعداوي، وأنطونيو غرامشي، وإلى جانب هؤلاء ثمة كتاب هادئ، ناعم يروي فيه الشاعر الأمريكي «هنري كول» جانباً من حياته في باريس، وعلى سطح الكمبيوتر في مكتب العمل في الجريدة كتاب حول حياة آرنست همنغواي الممتلئة جداً في باريس أيضاً، والفرق بين باريس هنري كول، وباريس همنغواي، أن الأول يعيش يوميات شاعر يكتفي بالقليل من الطعام والماء، بينما الثاني كان يرى في باريس وليمة متنقّلة، من مطعم إلى مطعم، ومن غداء يتلوه عشاء إلى غداء يتلوه عشاء وعشاء كان صاحب «الشيخ والبحر» لا يشبع من اللحم والجبن والحساءْ.
من حياة جان جاك روسو نعرف أنه تدرّب على بعض الصناعات حين كان يقيم عند خاله جبريال في العام 1725، في جنيف وكان مدرّساً للموسيقى في لوزان، ويبدو أن الفكر والموسيقى من جنس التوائم، فقد كان إدوارد يعزف على البيانو، ويعرف في الموسيقى عملياً ونظرياً إلى درجة كأنه موسيقي محترف، لكنه ظل عرّاب الاستشراق، وظل أيضاً خارج المكان، كما لو أنه خارج فلسطين، كما هو خارج أمريكا.
متعة حقيقية أن تقرأ أكثر من كتاب مذكرات في آن واحد. ذلك يشبه الدخول إلى قلعة فيها سبع أو ثماني حجرات. في بعضها عطر، وفي بعضها موسيقى، وفي بعضها شموع، وأخرى فيها نار ونور ودموع، لكل إنسان طريق، ولكل إنسان مرفأ أو بيت أو منفى.
أحببت، بل، احترمت واقعية وليد سيف، ومراجعاته الفكرية والثقافية والمكانية بلغة تعادلية بين التراث والمعاصرة وبمَسْك بلاغي مُحْكَمْ، وشغفت بتداعياته ووصوفه وانتقالاته في الأزمنة والأمكنة حين يعود للسيرة، وفي الوقت نفسه، وفي محاذاته، أحببت شعرية دونكان وطقوسياتها في الرقص وفي الحياة، وسأبقى معجباً أكثر بثقافتها الأنيقة العالية، وصداقاتها العديدة مع فناني ورسّامي وشعراء؛ بل وحتى أثرياء زمانها: نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.
عندك بيت فيه خمسة أو سبعة أو ثمانية أشخاص، لا يهم العدد ولا يهم السكان. المهم الأمزجة والطبائع والثقافة، ومن بعد تأتي المقارنات والمقاربات.
فعل تعادلي، موضوعي لا تصنعه عادة إلّا القراءة.
وأقول.. القراءة عشب ناعم يصعب قلعه.
[email protected]