في خضم الحرب العسكرية الدائرة الآن في السودان، وأسوأ ما فيها كارثيتها الواقعة على الشعب المعروف بطيبته وسموحته وحبّه للحياة على رغم ضنك العيش وبشاعة الظروف الاقتصادية والمعيشية والحياتية، أقول، في خضم الدم السوداني المدني الشعبي البريء، رأيت أن أعود بالقارئ إلى ما هو ثقافي، ومتمدّن، وحضاري في هوية شعب السودان وهو الأدب والفن والثقافة.
السودانيون شعب مثقف ومعروف بالكثير من كفاءاته العالمية في العلوم والطب والفكر والفلسفة والتاريخ، ولولا أن هذا الشعب ضحية دائماً للأسف لصراعات ومصالح العسكر، ولو أنه حظي بالتنمية والإبداع ومشاريع ومبادرات النجاح التي تكشف عن عبقرية الروح السودانية، لكان هذا الشعب اليوم في طليعة أمم العالم المتقدمة في العلوم والآداب والتكنولوجيا العالمية.
الصراعات العسكرية المسلّحة، وإلى جانبها عادة الصراعات السياسية المعقّدة شيء، والشعب السوداني، البسيط، الفقير، الإبداعي، وفي الكثير من شخصيته تصوّفي، إنساني، شعبي شيء آخر مختلف كلياً عن الطبيعة العنيفة الصادرة عن لحظة الاشتباكات الدموية، وبخاصة، بين الفصائل المسلّحة، منذ استقلال السودان، وإلى اليوم.
لذلك، يجد كاتب مثلي نفسه في منأى تماماً عن الشطرنج السياسي والعسكري المعقد والمرعب في بلد جميل كريم سموحي بأهله وناسه مثل السودان، وسوف يتمثل هذا النأي التلقائي في الذهاب إلى تفصيلة جمالية راقية في حياة السودانيين وهي: الشعر.
أنجب السودان قديماً، وفي القرن العشرين المئات من الشعراء والشاعرات، وقد عرفت الظاهرة الشعرية السودانية عند النخب العربية الثقافية على الرغم من كثافة الهامش الذي يعيش فيه شعراء وشاعرات السودان، وهو هامش تعتيمي تماماً على الروح الشعرية السودانية، والمسؤول عن هذا التعتيم -غير المقصود بالطبع- الصحافة الثقافية والإعلام في السودان.
أنجب السودان محمد الفيتوري (1936 - 2015) الشاعر الذي حوّل إفريقيا إلى أيقونة كونية سمراء، وأنجب الهادي آدم (1927 - 2006) صاحب مرثية جمال عبدالناصر «أكذا تفارقنا» وأيضاً صاحب رائعة أم كلثوم «أغداً ألقاك»، وأنجب السودان الشاعر والدبلوماسي محمد المكي إبراهيم الذي عرف في الأوساط الشعرية العربية في السبعينات بمجموعته المميّزة «بعض الرحيق أنا، والبرتقالة أنت».
[email protected]