وهم السيطرة

00:42 صباحا
قراءة دقيقتين

إذا سرت في شوارع مانهاتن يوماً ووقفت عند إشارة مرور بانتظار العبور إلى الطرف المقابل، فضغطت على مفتاح الإشارة، فستكون حينها قد ضغطت على زر لا يعمل حقيقة. أما وجوده فلا يهدف إلا إلى إيهام المارة بأن لديهم تأثيراً في إشارات الطريق؛ ما يجعلهم يتحملون طول الانتظار بشكل أفضل.

وينطبق الشيء نفسه على مؤشرات ضبط الحرارة داخل المكاتب ذات المساحة الكبيرة؛ حيث يستغل التقنيون مبدأ «وهم السيطرة» من خلال تركيب زر ضبط حرارة غير مجدٍ بتاتاً في كل طابق؛ حتى تنخفض بالتالي عدد المطالبات والشكاوى التي تردهم. وكذلك الحال بالنسبة لأزار «أعلى وأسفل» الموجودة في العديد من المصاعد، والتي يسميها الخبراء ب «أزرار العلاج بالتمويه».

وإذا قرأت ذات يوم لبعض ممن تعرضوا للأسر في الحروب، فلن تصيبك الدهشة لما حدث لهم. حيث إن توهّم الإنسان أنه يستطيع السيطرة على مصيره والتحكم فيه أتاح لهؤلاء الأسرى الاستمرار والصمود في ظل أحلك الظروف وأصعبها على الإطلاق.

وفي السياق ذاته وفي مختلف جوانب حياتنا، يعتقد الكثير من الناس بأن بوسعهم السيطرة أو التأثير في أحداث وأشياء لا سيطرة لهم عليها فعلياً، وهو ما يسمى ب «وهم السيطرة». مثال ذلك في مجال الرياضة على سبيل المثال لا الحصر، حركات اليدين والقدمين التي يقوم بها عُشّاق كرة القدم، وكأن بمقدورهم التدخل في سير المباراة وقلب النتيجة بحركات أجسادهم الغريبة أو تشجيعهم للفريق الذي يحبونه وصراخهم المتواصل، بينما لا يعدو كل ذلك سوى وهماً يعشّش في العقول.

وأنت، غالباً تعتقد بأنك ممسك بزمام الأمور؛ لكنك في الحقيقة لا تتحكم سوى بالقليل من الأشياء. هذه ليست دعوة إلى الاستسلام ورفع الراية البيضاء أمام الظروف الخارجية، بيد أنها دعوة إلى الاستيقاظ من أحلام اليقظة التي تداعب مخيلة العديد من الناس حول العالم؛ حيث يتخيلون الحياة أشبه بمصباح سحري يلبي كل متطلباتهم وأمانيهم بمجرد أن يتخيلوا تحقّقها.

لا شك أنه من الأهمية بمكان أن تكون متفائلاً وتنظر إلى الجوانب المشرقة من الوجود، وتملك أحلاماً كبيرة تعمل باجتهاد في سبيل تحقيقها، وتؤمن بأنك قادر على التحكم في حياتك وتجاوز العقبات بالإصرار والإيمان. لكن لا تتوهم إمكانية السيطرة على كل الظروف المحيطة بك؛ لأن ذلك محال، وإنما ركز على أهم الأشياء القليلة التي يمكنك السيطرة عليها بالفعل، وفيما عدا ذلك اترك أمرك للقضاء والقدر، وتوكل على الله دوماً، وارض بنصيبك من الدنيا بعد الأخذ بالأسباب مهما يكن.

[email protected]

https://tinyurl.com/yc4699hy

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"