.. سبق إنشاء المعهد الثقافي العربي في مدينة ميلانو الإيطالية سبعة أعوام من العمل المشترك والتنسيق والمتابعة بين هيئة الشارقة للكتاب، وجامعة القلب المقدّس الكاثوليكية، وبالتدريج وبطريقة إدارية مهنية أفضىٰ هذا التعاون بين الهيئة والجامعة إلى ولادة المعهد الأول من نوعه في أوروبا ويخدم مباشرة الثقافة العربية والإسلامية، ويبني جسور حوار وتعايش ليس مع الجامعة والثقافة الإيطالية فقط، بل، وتمتد هذه الجسور نحو الثقافة الأوروبية برمتها، مع ملاحظة أن المعهد هو بداية سلسلة معاهد ستقام بين عواصم العالم، وهو منصّة راقية لتفعيل مصطلح «الدبلوماسية الثقافية»، وجعلها واقعاً عملياً كأداة تواصل إيجابي يومي بين ثقافات وحضارات الشعوب.
قلب الشارقة وفكرها المنفتح على قيم الصداقة والتسامح والمعرفة الإنسانية العادلة والجمالية.. هي الأساس في قيام هذا المعهد الذي وصفه د. وائل فاروق أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة القلب المقدّس بأنه «سفارة دائمة لهيئة الشارقة للكتاب في أوروبا..».
في الوقت نفسه، ينظر المتابع لهذا الحدث التاريخي الإماراتي انطلاقاً من فكر الشارقة إلى الجامعة التي هي مقرّ ومركز المعهد، فهي واحدة من أكثر الجامعات الأوروبية عراقة في تاريخها الثقافي والفكري والأكاديمي، والجامعة أيضاً هي جامعة 800 من طلاب العلم العرب والمسلمين، ومن الجميل هنا أن تلتقي الرمزيّة الدينية المسيحية لكيان الجامعة مع الأساسيات الثقافية التي قام عليها المعهد وهذه أيضاً لها رمزياتها الدينية العربية والإسلامية ضمن اتجاه واحد ثقافي يتمثل في التقاءات الديانات على قيم إنسانية رفيعة مشتركة.
بهذه الرؤية الثقافية التعايشية والتفاعلية مع مؤسسات العالم الكبرى في العلم والمعرفة والأدب والفنون عملت الشارقة بهدوء وفي الوقت نفسه عملت باجتهاد وجدية نظرية وعملية باتجاه إطلاق هذا المشروع العربي الريادي في أوروبا، وهو توصيف آخر جديد للبعد العالمي لمشروع الشارقة الثقافي.
كل مبادرة ثقافية أو جامعية أو مؤسساتية تنطلق من الشارقة لا تنفصل أبداً عن مشروع الإمارة الثقافي الذي بدأ منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، وها هو الآن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يجمع أكثر من خمسة ملايين نسمة في أوروبا والعالم الغربي على اللغة العربية بشكل خاص، وفي موازاة هذه الحقيقة الثقافية واللغوية تضع هيئة الشارقة للكتاب من بين أولوياتها المهرجانات والفعاليات الأولى للغة العربية، ومعجمها التاريخي (150 مجلداً) وإلى ذلك مجلة متخصصة بالعربية والإيطالية يصدرها المعهد الثقافي العربي في جامعة القلب المقدّس.
اسأل عن الإمارات تجدها في القلوب الطيبة التسامحية التوافقية النقية، واسأل عن الشارقة تجدها في التاريخ والمعنى.. تجدها في آثارها وأثرها الذي هو اللغة والكتابة والذاكرة.
[email protected]