في العام 1990، وضمن أسبوع ثقافي فلسطيني أقيم في القاهرة، عرضت على مسرح الجمهورية مونودراما «المتشائل» المأخوذة عن الرواية الشهيرة لإميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، من تقديم الفنان محمد بكري، القادم هو الآخر مثله مثل حبيبي، من أراضي 1948.
يومها شدّ العرض الجمهور بما أظهره مقدّمه من مهارات صوتية وحركية وحوارية، وبما تخلل العرض من غناء فولكلوري بثّ الشجن في قلوب المشاهدين، فنجح بكري بإعداده وإخراجه للنص في إيصال محتوى الرواية إلى الجمهور، وهي الرواية التي أُخذ عليها من قبل البعض غموضها.
حين سألت الأديبة المصرية هالة البدري، إميل حبيبي الذي كان ضمن من حضروا فعاليات الأسبوع الثقافي الفلسطيني عن رأيه في ما يقال عن غموض روايته هذه بالذات، فقال ما فحواه: ربما يوجد غموض نتيجة قلة المعرفة بأوضاع الفلسطينيين في أراضي عام 1948، حيث إنه سعى في روايته تلك لتقديم الإنسان الفلسطيني الذي جمع بين التشاؤم والتفاؤل فأصبح متشائلاً، وهي المفردة التي يعود لحبيبي فضل اجتراحها، حيث لم تكن معروفة أو متداولة قبله، وأضحت مفهوماً دالاً على معانٍ عميقة.
سألتْ البدري حبيبي أيضاً عن رأيه في الطريقة التي قدّم بها محمد البكري الرواية على المسرح، فقال إن محاولات عديدة سابقة جرت لمسرحة المتشائل أو تقديمها سينمائياً، لكنه لم يوافق على ذلك، حتى جاء بكري وطلب منه الأذن ليعرضها بأسلوب الممثل الواحد، فلم يتردد في الموافقة على فكرته، لأن هذا الأسلوب كما يرى حبيبي نابع من تراثنا، تراث الحكواتي والرواية، لذلك قدّم للبكري كل ما احتاج من مساعدة ونصائح ومن التزام ب «تعبيراتنا غير الملوثة»، حتى استطاعت هذه المسرحية أن تحقق نجاحاً محلياً ودولياً، حيث إنها قدّمت أكثر من ستمئة مرة باللغات العربية والعبرية والإنجليزية.
حين سألت البدري إميل حبيبي عما يقصده بالتعبيرات المحلية غير الملوثة، وعلاقة هذا التعبير بموقفه من التراث، في ظرفٍ باتت فيه الهوية الوطنية والثقافية لشعبه مهددة، أجاب: إن موقفه من التراث هو موقف الفارس الذي وجد نفسه مُجرداً من فرسه ورمحه ودرعه ومن كل شيء، وهو يعرف أنه فارس عريق، فليس له ساعتها إلا أن يرجع إلى قول المتنبي: «لا سيف عندك تهديه ولا مال/ فليسعد النطق إن لم يسعد الحال».
«فليسعد النطق»! ما أبلغ قول المتنبي الذي ذكّرنا إميل حبيبي به، وهو يشير إلى أهمية ما أداه ويؤديه الأدب الفلسطيني في مطارحه المختلفة، أراضي 48، الضفة وغزّة، وديار الهجرة الواسعة، في إبقاء ما «كانت تسمى فلسطين/ صارت تسمى فلسطين» كما قال محمود درويش ملخصاً الحكاية كلّها.
[email protected]