ما لم يفهمه العميد

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

معروفة حكاية السجال الذي جرى بين طه حسين والأديبين الشابين، يومها، محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس. أراد الأديبان الشابان أن يقولا إنهما صاحبا رؤية ثقافية وأدبية جديدة، غير تلك التي لدى الجيل الأسبق من جيلهما، ومن ضمن رموزه طه حسين وعباس محمود العقاد. والجمع بين طه حسين والعقاد في سلةٍ واحدة ينطوي على ضربٍ من التعسف، فكونهما ابني الجيل نفسه، لا يعني أنهما ينطلقان من الرؤية نفسها ويتبعان المنهج نفسه.
هذا حديث له سياق آخر لن نسهب فيه، وسنقف عند الرد الذي كتبه طه حسسن على ما طرحه العالم وأنيس، وأول ما يلفتنا في ذلك الرد لغته الهادئة، غير المتحاملة، على كاتبين ينتميان إلى جيل أصغر، وامتلكا الجرأة على الاختلاف معه، وهذا درس لكلّ من يهمه ألأمر من الأدباء الذين يتطيرون من أي نقد يأتيهم من أبناء جيل أصغر.
استهلّ عميد الأدب العربي مقاله الجوابي بإيراد حكاية تقول بأن ناقداً قديماً سمع شاعرنا أبا تمام ينشد قصيدته المشهورة: «أهنّ عوادي يوسف وصواحبه/ فعزماً فقدماً أدرك السؤل طالبه»، فقال له: «لم لا تقول ما يُفهم؟»، فأجابه أبو تمام: «ولم لا تفهم ما يُقال؟».
قول يلخص العلاقة المعقدة بين المبدع والمتلقي. المتلقي يطالب المبدع بالوضوح في ما يقول أو يكتب، والمبدع يطالب المتلقي بالنهوض بوعيه وذائقته كي يفهم ما يقوله المبدع. وهذا أيضاً حديث له سياق آخر لن نسهب فيه، ونعود إلى سجال العميد مع العالم وأنيس.
قال العميد إنه تذكّر حكاية أبي تمام وناقده، حين قرأ ما كتبه العالم وأنيس، لم يفهم ماذا كانا يعنيان، فسأل نفسه: «وما بال هذين الأديبين لا يكتبان ما يفهم»، قبل أن يقول لنفسه: «ولم لا أفهم أنا ماذا يكتبان؟»، وأعاد قراءة المقال في «أناة وعناية وتنبّه»، لكنه لم يفهم أكثر مما فهم في القراءة الأولى، ولم يقنط العميد، فأعاد قراءة المقال ثالثةً فلم يزدد فهماً، ومع أنه سأل نفسه، مرة أخرى: «لماذا لا يكتب هذان الأديبان ما يفهم»، قبل أن يجيب نفسه هذه المرة أيضأً: «إن فهمي هو الذي فلّ حده وأدركه الفتور والقصور فعجز أن ينفذ إلى دقائق الأدب وروائع ما ينشره الناس».
بعد شرح طال وتشعب قال طه حسين: «أنا أُكبر الأديبين الكريمين من أن يكتبا ما لا يفهم، وأرى أن قصورنا عن فهم ما راما إليه إنما يأتي من أن مدرستهما الحديثة تخالف ما ألفنا من مناهج البحث ومذاهب القول وأساليب التعبير عن ذات النفوس، وما أريد أن أتجنى عليهما ولا أن أقول فيهما غير الحق».
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"