ظهر البعير وعظم الشاعر

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

الألف واللّام اللذان دَخَلا على كلمة (أهل) في مقالة أمس لو مددناهما لكانا في طول تلك القشّة التي قصمت ظهر البعير، ولكن القَصْم لم يطل بعيراً هنا، بل هو كسر طال ظهر المتنبي في شطر بيته المعروف: «على قدْرِ أهل العزم تأتي العزائم».
الكاسر هنا ليس كاتب هذه السطور، بل هي الآلة الكمبيوترية الطابعة التي حوّلت البحر الطويل إلى شوربة عروضية، والقارئ الذي لا يحتاج إلى اعتذار، يدرك جيداً أن «فعولن مفاعيلن، فعولن مفاعيلن» هما تفعيلتان مركّبتان لذلك البحر الذي برع فيه أبو الطيب المتنبي، صاحب السيف والخيل. ولو كان الرجل على قيد الحياة، لقتلني. وكيف لا يقتلني وأنا أكسر ظهره بقشة؟ لا بل كيف لا يفعلها والعرب كانت تتوضّأ للشعر؟ ويذكر الناقد المصري أحمد كمال زكي نقلاً عن كتب التراث أن أحد الملوك قد سمع قصيدة الحارث بن حلّزة ومطلعها: «آذنتنا ببينها أسماءُ.. ربَّ ثاوٍ يَمَلُّ منه الثواء».. وبعد سماعه القصيدة أمره الملك بالوضوء قبل أن ينشدها ثانية تقديراً لها.
جفلت، حين قرأت شطر المتنبي مكسور العظم، ولا تجبره كل خرق العطّارين، وكأن الكسر في الوزن أوجع على الكاتب من الخطأ في الجار والمجرور، لكنها فرصة سانحة أن وجدت موضوعاً لهذا اليوم، أي تحويل الخطأ العابر غير المقصود إلى قصة ثقافية عامّة.
وأبدأ من العزيز الرّاحل الحاضر في غيابه: حبيب الصايغ. لحبيب الصايغ مجموعة شعرية بعنوان «كسر في الوزن»، إذا قرأتها كلّها فلن تجد فيها قشة واحدة، فقد كان كسر الشعر بالنسبة لحبيب في مستوى الخطأ والخطيئة معاً، وأكاد أقول إن حبيب الصايغ كان لا يكسر حتى وهو ناثر، وأكثر ما كان يغثّ باله وقلبه أن يجد شيئاً من القش والزؤان ليس في الشعر فحسب، بل في الكتابة، أية كتابة، حتى لو كانت خبراً صحفياً.
شكراً لقشة أمس، فهي تشير إذاً إلى الحساسية القصوى التي تتميز بها لغتنا العربية البلاغية الكريمة التي هي أغلى من الأحجار الكريمة، ويشير الكسر العروضي أيضاً إلى حساسية أكبر في عبقرية الوزن وتفعيلات الشعر.. انظر مثلاً، كيف خربط مجرد حرفين كل النظام الموسيقي العلمي الموجود في البحر الطويل، وراقب نفسك أخي القارئ كيف تكون مخضوضاً كأن تحتك زلزلة لمجرّد قشّة..
الإنسان يخطئ، والآلة، حتى الآلة الصناعية الذكية تخطئ، والمهم هنا، هو الإسراع في كنس القش والحصى لكي لا ينقصف ظهر البعير، ولا ينكسر عظم الشاعر.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"