بيكاسو المصري

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

.... حين تُوفّي بابلو بيكاسو في العام 1973 في مدينة موجينس في فرنسا كان الرسام حلمي التوني في الأربعين من عمره، وفيه هو الآخر شيء من الغليان اللوني النّاري الذي في كينونة بيكاسو، لكن بالوجه المصري، والروح المصرية، .. إنه، حلمي التوني – بيكاسو الرسمة الشعبية العربية، .. بيكاسو المصري الذي لم يكن يعنيه أن يضع نظرية في اللون أو في التكعيبية، ولم يكن معنياً بمرحلة زرقاء أو صفراء، بل، جمع كل قبضته في اللوحة. لوحته، غير المستعارة مطلقاً من أية مرجعية فنية أو تشكيلية، ولو كنت ماشياً في شارع أو في حارة مصرية من حارات نجيب محفوظ، ووجدت لوحة لامرأة بملاية لَفّ، وهي مهرجان الفرح في الليلة الكبيرة، فسوف يقول لك قلبك: هذه اللوحة لحلمي التوني.. صوره تدخل البهجة إلى القلب. شيء مثل العيد أو المهرجان، وهو ليس فنان الرموز كما قد يتبادر إلى ذهن بعض من يقرأون لوحته، بل هو فنان إنسانية المرأة وجمالياتها اليومية العادية. الشمعة عنده ليست رمزاً أو مصطلحاً، بل هي شمعة. شمعة وحسب. السمكة سمكة وحسب. القلائد والأقراط في رقبة المرأة ليست رموزاً لشيء أو إحالات على شيء. بل هي أقراط وقلائد موجودة في السوق الشعبية أو في محل لبيع الأشياء الصغيرة الجميلة.
امرأة حلمي التوني لا هي فلّاحة، ولا هي حضرية، ولا هي مدنية، لا هي فقيرة غلبانة مسحوقة، ولا هي ارستقراطية باذخة. فقط امرأة بكل كينونتها وفرح الألوان التي تحيط بها.
من بعيد، تستعير هذه المرأة بعض قسمات نفرتيتي، وفجأة، ثمة مفتاح فوق رأسها. ثم غصن هنا، ووردة هناك. ملامح أو صور أو تشكيلات تبدو كما لو أنها مبعثرة، ولكن في حقيقتها هي رسمة غنائية صغيرة.. رسمة ملمومة تماماً. لا مجال للانفلات والانفلاش. المهم هنا هو الفرح العارم المكثف الذي ترسله الرسمة من إطارها الخاص إلى إطارها العام: أنا وأنت والعالم.
في رسومات حلمي التوني ثقافة لون. وثقافة تلك الموسيقى المستعارة من أمومة المرأة، وأنوثتها المكتملة.
في رسوماته – بعض طبائع الطفل أو رسم الطفل: الفطرة، التلقائية، المباشرة الإنسانية بلا مصطلحات وبلا رموز.
امتيازية أخرى لحلمي التوني الذي أحبّه المصريون وأحبّه العرب كما أحبّوا نجيب محفوظ، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ إنه حوّل صناعة غلاف الكتاب إلى فن. أصبح غلاف الرواية رواية. رواية من الألوان البهيجة. الألوان الحالمة والمستيقظة ذات الطاقة الموسيقية الكامنة في الصورة. صورة حلمي التوني التي لا يمكن أن تتأطر إلاّ بذلك الحيز الهندسي والتشكيلي الذي يضعه لعمله الفني هذا.. وأحسب أنه يرسم بسرعة حتى لو بدت لوحته أقرب إلى البطء.
فنان بمفرده ظاهرة لون، وظاهرة بهجة. لا ترى رسمته إلاّ وتتفاءل. وبيكاسو فيه والخاص به وحده يكفيه، ويكفيه...
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"