خطوطيات..

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

الجميل في معجم الأدب الصيني، أنه لا يوفّر فقط معلومات شخصية وثقافية وتاريخية حول كل علم من أعلام الشعر والرواية والفنون في الصين، بل، يوفّر إلى جانب كل ذلك تعريفات ومقاربات معرفية وتاريخية حول الظواهر الأدبية والجمالية في بلد الخط، وصناعة الحبر والورق، وصناعة الحكمة أيضاً.
نقرأ في باب الخط والأدب في الصين: يعتبر الخط في الصين فناً أساسياً.
لكن لماذا كل هذه القيمة الأدبية والمعنوية للخطاط في الصين؟.. الإجابة في المعجم نفسه، والإجابة أيضاً لها علاقة بخصوصية ورسم حروف اللغة الصينية نفسها. ونقرأ في المعجم أن بعض خصوصيات هذه الكتابة لمحت بتطور فن الخط الصيني.
في لغتنا العربية يختلف الخط ورسمه تماماً عن رسم الخط في اللغة الصينية. لغتنا لغة حروف لا لغة مقاطع، واللفظ في العربية يعود إلى الحرف ولا يعود إلى مقطع مؤلف من مجموعة حروف.
مجموعة الكلمات في العربية هي جملة. وفي النص الحروفي العربي منظومة إعجازية حقاً مكوّنة من طبقات بلاغية ليست موجودة في أي لغة في العالم. عربيّتنا لغة مجازات، واستعارة، وكنايات، لغة إدغام، وغنّة، وقلقلة، وَسَكْتْ، وكل حرف له مكان في الفم بدءاً من أوّل الشفتين، وحتى آخر الحَلْق.
أحب ما يكتبه الفرنسي من أصول أفغانية (عتيق رحيمي) عن الخط، وهو كاتب ومخرج أعمال سينمائية، غير أن الخط العربي يجري في دمه وفي عروقه.
عشق رحيمي خطوط لغات العالم، ومن خلال عشقه أولاً للخط العربي، يقول: الخط فن مقدّس لأنه ولد النصوص المقدّسة. وإذْ يقترب عتيقي من الخط الكوفي على وجه التحديد نراه يذهب إلى القول: أحرف الخط الكوفي جعلتني أحس بحركة الجَوَاد، وصوت حوافره، وصداها اللانهائي في الصحراء..، كتب عتيقي انطباعه هذا عن الخط الكوفي بعدما شاهد لوحة في المكتبة الوطنية الفرنسية.
إليك هذا الملخّص السريع من إحدى رسائل مونتسكيو في كتابه الرائع حقاً (الرسائل الفارسية).. وكان حين كتب هذه الرسائل مقيماً في باريس، فماذا رأى هناك من الكتب والمخطوطات، باختصار رأى أعمال النحويين والمفسرين واللغويين. رأى كتب الطب، وكتب الفيزياء، وكتب علم التشريح، ورأى كتب الكيمياء «التي تتوطن إمّا في المشفى، وإمّا في الأكواخ».
.. ورأى كتباً في التنجيم، وعلم الجبر، لكنه في رسالته تلك التي كتبها في عام 1719 نسي أن يذكر مؤلفي هذه الكتب والمخطوطات.. ولكل امرئ ما يتذكر وما ينسى!!
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"