خالد راشد الزيودي*

في إطار مؤتمر القوة الناعمة السنوي الذي أقيم مؤخراً في العاصمة البريطانية لندن، أُعلن عن تصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة العاشرة عالمياً على مؤشر القوة الناعمة لعام 2025، وهو ما يعكس بوضوح التقدم الكبير الذي حققته الدولة على الصعيدين الإقليمي والدولي في السنوات الأخيرة، هذا التصنيف لا يعد فقط تتويجاً لجهود دولة الإمارات في تعزيز مكانتها العالمية، بل هو أيضاً شهادة دولية على قدرتها الفائقة على التأثير في مجريات الأمور العالمية بفضل مجموعة من السياسات الاستراتيجية الفاعلة في العديد من المجالات مثل الاقتصاد، الدبلوماسية، والتكنولوجيا. إن هذا التصنيف يعكس أيضاً مكانة الإمارات كدولة محورية في المنطقة والعالم، تشارك بنشاط في صياغة المستقبل وتشكيل السياسات العالمية.
أصبح من الواضح أن دولة الإمارات قد نجحت في بناء نهج استراتيجي متعدد الأبعاد يعزز تأثيرها على الساحة العالمية، يتمثل هذا النجاح في قدرتها على استثمار قوتها الناعمة في المجالات الحيوية مثل الاقتصاد، الثقافة، والابتكار. الإمارات اليوم لا تقتصر قوتها على مجرد الاستثمارات الاقتصادية، بل أصبحت تمثل نموذجاً عالمياً في كيفية إدارة القوة الناعمة من خلال سياسة متوازنة قائمة على التكامل بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والابتكار.
في ما يتعلق بالقوة الإعلامية، تصدرت الإمارات في مؤشر أداء الهوية الإعلامية الوطنية، حيث نجحت الدولة في رفع قيمة هذه الهوية إلى أكثر من تريليون ومئتين وثلاثة وعشرين مليار دولار أمريكي، هذا الإنجاز يعكس تزايد تأثير الدولة على الصعيدين الإعلامي والاقتصادي على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا، ويعزز مكانتها كأكبر قوة إعلامية في المنطقة، هذا النمو الملحوظ في الهوية الإعلامية ليس فقط نتيجة جهود الدولة في تعزيز الصورة الإيجابية عن نفسها، بل هو أيضاً نتيجة لتبني سياسات فعالة في تحسين التواصل مع العالم عبر مختلف المنصات.
أما في المجال الدبلوماسي، فقد احتلت الإمارات المرتبة التاسعة عالمياً في التأثير في الدوائر الدبلوماسية. هذا النجاح يعكس الدبلوماسية الناضجة التي تنتهجها الدولة، والتي تتمثل في تبني سياسة خارجية متوازنة تسعى لتعزيز التعاون الدولي وحل النزاعات الإقليمية والدولية. الإمارات، من خلال دورها الفاعل في العديد من المنظمات الدولية والمبادرات الإنسانية، استطاعت أن تبني شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية التي جعلتها في طليعة الدول المؤثرة في صنع القرار الدولي.
والجدير بالذكر أن الإمارات قد حافظت على قوتها الاقتصادية، حيث جاءت في المرتبة السابعة عالمياً في مؤشر الاستقرار الاقتصادي، ما يعكس نجاحها في التنويع الاقتصادي. الإمارات اليوم تعتبر نموذجاً حياً في كيفية بناء اقتصاد متنوع بعيداً عن النفط، حيث استثمرت الدولة في قطاعات متعددة مثل التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي. سياسة التنويع هذه تمكنت من تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز استدامة الاقتصاد الوطني.
أما على مستوى الابتكار والتكنولوجيا، فقد أظهرت الإمارات تفوقاً ملحوظاً، حيث احتلت المرتبة التاسعة عالمياً في مجال التكنولوجيا والابتكار. هذا التصنيف يعكس نجاح الدولة في تحولها إلى اقتصاد قائم على المعرفة من خلال الاستثمار في القطاعات التكنولوجية المتقدمة. البنية التحتية الذكية التي أنشأتها الإمارات، والاستثمار في البحث والتطوير، يعززان من مكانتها كدولة رائدة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة.
أحد أبرز الإنجازات التي حققتها الإمارات على مر السنين كان في مجال استكشاف الفضاء، حيث أصبحت الإمارات من الدول الرائدة في هذا المجال، وذلك بعد أن احتلت المرتبة العاشرة عالمياً في الاستثمار في الفضاء، ومشروع «مسبار الأمل» لاستكشاف كوكب المريخ يُعد أحد أبرز الإنجازات التي تبرهن على رؤية الدولة الطموحة في توظيف التكنولوجيا الحديثة والابتكار لتحقيق اكتشافات علمية غير مسبوقة. الإمارات اليوم ليست فقط دولة تسعى للمنافسة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، بل أصبحت قوة فضائية تسهم في رفع مستوى الابتكار العلمي عالميًا.
لا شك أن الإمارات قد حققت ما عجزت عنه الكثير من الدول الكبرى، بفضل القيادة الحكيمة والاستراتيجيات الرشيدة، وتمكنت من أن تكون في طليعة الدول التي تصوغ مستقبلها بعناية. هذا ما يجعلها مرجعاً يحتذى للدول الأخرى التي تطمح لتعزيز قوتها الناعمة وتحقيق الريادة العالمية. إن الإمارات ستظل، بلا شك، في صدارة الدول التي تسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية العالمية، كما أن ما ستشهده من إنجازات مستقبلية سيكون أكثر تأثيراً وعظمة.
إن ما يميز الإمارات في مؤشر القوة الناعمة لعام 2025 هو أن نجاحاتها لم تقتصر على المجالات الاقتصادية أو السياسية فقط، بل شملت مجالات الابتكار الثقافي والتنمية المستدامة. إن رؤية الإمارات الطموحة لمستقبل مستدام تعتمد على استثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، التعليم، والرعاية الصحية، ما يعكس التزام الدولة بتوفير بيئة تسهم في تحسين حياة الإنسان.
إن القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله جعلت الإمارات دولة ريادية، تشارك بفاعلية في رسم معالم المستقبل ليس فقط على الصعيد الإقليمي بل على الصعيد الدولي.

[email protected]

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر