خيارات أوروبا في الاستقلال الدفاعي

00:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

حسام ميرو

كانت مخاوف القادة الأوروبيين في محلها بشأن عودة الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، فقد خبروا تقلباته وقراراته الدراماتيكية في ولايته الأولى بين عامي 2016 و2020 وتمنوا خسارته في الانتخابات أمام الرئيس الأسبق جو بايدن وبعد تنحي الأخير عن السباق الرئاسي، كان الإعلام الأوروبي يظهر ميلاً واضحاً تجاه المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، أملاً باستمرار الدعم الأمريكي المالي والعسكري لأوكرانيا وبقاء حلف الناتو متماسكاً.
لكن آخر ما تخيله الأوروبيون أن يقوم الرئيس دونالد ترامب بتوبيخ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام كاميرات الإعلام في البيت الأبيض، في رسالة تتجاوز زيلينسكي وبلاده إلى أوروبا وقادتها، حول نهج واشنطن الجديد، في تعاملها مع عدد من القضايا التحالفية عبر الأطلسي، وأهمها حلف الناتو والاستدارة الأمريكية نحو روسيا والتصريح بإمكانية التخلي عن الدفاع عن الدول الأوروبية التي لا تدفع كامل التزاماتها المالية لحلف الناتو، بل والذهاب خطوة أبعد من ذلك، عبر تصريحات الرئيس ترامب بأنه يدرس خيارات جديدة للانخراط الأمريكي في حلف الناتو.
تاريخياً، اعتمدت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية على الثقل الأمريكي في حلف الناتو، ليكون مظلتها الدفاعية، خصوصاً خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي ولم يطرح الأوروبيون على مدار عقود سؤال البحث عن بديل دفاعي خاص بهم ونظراً لمشتركات عديدة مع واشنطن، اعتبروا أن استمرار مظلة الحماية الأمريكية الأطلسية أمر بديهي وقد طرح الفرنسيون فكرة البحث عن شكل من أشكال الاستقلالية خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، لكن لم يأخذ هذا الطرح أي بعد عملي، خصوصاً بعد مجيء الرئيس بايدن، الذي سعى إلى طمأنة الشركاء الأوروبيين وأظهر حماسة كبيرة في الدعم والإنفاق على الجيش الأوكراني.
يدرك الأوروبيون حجم الاختلال الحاصل بينهم وبين واشنطن في الإنفاق على الدفاع، فميزانية الدفاع الأمريكية للعام الحالي بلغت 895 مليار دولار، بينما لا توجد دولة أوروبية يتجاوز إنفاقها السنوي حاجز 80 مليار دولار أمريكي وهي بريطانيا، التي خرجت من الاتحاد الأوروبي ويشكل هذا الفارق في الإنفاق عقبة كبيرة أمام الدول القيادية في أوروبا إذ لا تستطيع تخصيص ميزانيات ضخمة للإنفاق العسكري، لأن ذلك سيكون على حساب بنود أخرى مهمة للاستقرار الاجتماعي، مثل أموال الرعاية الصحية والاجتماعية وصناديق التقاعد.
لكن ضربة الرئيس ترامب لحلفائه في الأطلسي، لا تتوقف عند حدود دفعهم لزيادة الإنفاق العسكري، بل أيضاً أتت من خلال رفع الضرائب على ما يستورده الأمريكيون من الأسواق الأوروبية، هذا يعني من الناحية العملية، أن واشنطن في الوقت الذي تطالب فيه شركاءها الأوروبيين بزيادة الإنفاق العسكري، فإنها تشّن حرباً تجارية على صناعات أساسية في أوروبا، خصوصاً الحديد والألمنيوم والسيارات، أي أنها تدفع الاقتصادات الأوروبية نحو الانكماش والركود، فكيف لهم وهم يواجهون حرباً تجارية أن يقوموا بزيادة إنفاقهم العسكري.
هناك نوع من التوافق بين ألمانيا وفرنسا وإسبانيا على ضرورة البحث عن خطط استراتيجية بديلة، تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، بحيث تقوم فرنسا بشكل أساسي بتقديم تعهد بالدفاع النووي عن أوروبا، وفي المقام الثاني بريطانيا، نظراً لخروجها من الاتحاد من جهة وعلاقاتها الخاصّة بواشنطن من جهة ثانية، لكن هذا الاتفاق الأولي لا يمكن تمريره أوروبياً من دون توافق بين دول الاتحاد، وهذا أمر قد لا يكون سهلاً، حيث توجد العديد من الدول، وخصوصاً دول أوروبا الشرقية، التي تجد أن هذا الخيار سيكون مكلفاً، وسيزيد من الأعباء المالية، بالإضافة إلى وجود عدد من الدول الأوروبية القريبة من موسكو وليس لديها دوافع قوية لتمرير مثل هذا الاتفاق.
في مجمل العوامل التي تحدّ من خيارات أوروبا من اتخاذ قرار تاريخي بالاستقلال الدفاعي عن أمريكا، هناك عامل حاسم، يرتبط بضرورة إحداث تحول عام في السياسات الأوروبية نحو تبني عقيدة هجومية، الأمر الذي يستلزم تطوير بنى عسكرية جديدة، وتطوير قطاعات الصناعات العسكرية وتطوير الخبرات للتعامل مع البنى المستحدثة، فالخبرات الأساسية في حلف الناتو هي الخبرات الأمريكية، خصوصاً في مجالي الجو والأساطيل البحرية.
وبالقياس إلى المنجز الأمريكي، حيث توجد بنى معلوماتية عملاقة تدعم تطوير الصناعات العسكرية، فإن أوروبا تعد في هذا المجال متأخرة بأشواط عن الولايات المتحدة، التي تعد رائدة القطاع المعلوماتي واستخداماته العسكرية والأمنية وبالتالي، فإن أي تفكير أوروبي لتطوير البنى الدفاعية والبرامج المعلوماتية الخاصّة بالصناعات العسكرية وتجهيز الكفاءات المطلوبة، هو تفكير لبدائل بعيدة المدى، بدءاً من وجود قرار سياسي متفق عليه، وصولاً إلى وجود استراتيجية عمل مشترك وصولاً إلى بنى عسكرية دفاعية، قادرة على ضمان أمن القارة وكل هذا في حال تمكن الأوروبيون من الالتزام بالإنفاق على ميزانية ضخمة للدفاع المشترك.
بالتأكيد لم يعد الأوروبيون يثقون بالتحالف الدفاعي مع واشنطن ثقة مطلقة، وبالتأكيد أن خيار الاستقلال الدفاعي أصبح بمنزلة الضرورة الاستراتيجية لأوروبا، لكن ما هو غير مؤكد هو قدرة أوروبا على الدفع بمشروع الاستقلال الدفاعي في فترة قريبة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"