صلاح الغول
أجرى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، زيارةً أخوية إلى مصر في 22 مارس (آذار) 2025، أجرى خلالها مباحثات مهمة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وتأتي هذه الزيارة في إطار تبادل الزيارات بين مصر والإمارات، أو «في إطار أخوي»، كما وصفها المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية. فقد زار الرئيس المصري دولة الإمارات منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. وفي مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قام الشيخ محمد بن زايد بزيارة عمل إلى القاهرة.
جاءت هذه الزيارة بعد بضعة أيام من زيارة العمل التي قام بها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم إمارة أبوظبي، مستشار الأمن الوطني، إلى الولايات المتحدة، في 18 مارس (آذار) الجاري، والتقى خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدداً من المسؤولين، ورؤساء وقادة شركات تكنولوجية عالمية، ما يعني أنّ زيارة القاهرة تأتي في إطار فعالية دبلوماسية إماراتية للتعاطي مع القضايا الإقليمية والعالمية وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دولتين محوريتين في المنطقة والعالم، هما مصر والولايات المتحدة.
وطبقًا لوكالة أنباء الإمارات «وام»، أجرى الشيخ محمد بن زايد والرئيس عبد الفتاح السيسي مباحثاتٍ، تناولت تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى عن القضايا الإقليمية. وبصفةٍ خاصة، بحث الرئيسان مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك بين البلدين، وسبل تنميته، خاصةً في المجالات التنموية والاقتصادية والاستثمارية، بما يخدم مصالحهما المشتركة. وأكد الجانبان حرصهما على مواصلة دفع التعاون المشترك إلى الأمام في مختلف المجالات.
وتُوصف العلاقات المصرية - الإماراتية بالاستراتيجية، كونها تستند إلى روابط مجتمعية عميقة، وتفاعلات سياسية دائمة، واعتماد متبادل مكثف في المجالات الاقتصادية والأمنية والثقافية وغيرها. وتتسم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والإمارات بالاستمرارية والنمو المتصاعد برغم التغيرات الراديكالية التي تعاقبت على النظام الإقليمي العربي منذ نصف قرن.
كما تُوصف الشراكة الاقتصادية بين دولة الإمارات ومصر بأنها متكاملة، بالنظر إلى حجمها المتنامي، والروابط العميقة التي تربط الدولتين في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال 22 عاماً فقط 68 مليار دولار. كما أن دولة الإمارات هي المستثمر الأكبر في مصر، وهناك أكثر من 1200 شركة إماراتية تعمل في السوق المصرية. وتغطي الشراكة المصرية-الإماراتية قطاعات اقتصادية حيوية، مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات والصناعة والخدمات والتمويل والسياحة، من دون الحديث عن تحويلات المصريين المقيمين في الإمارات، التي بلغت 3.5 مليار دولار خلال العام المالي 2022/2021.
يُذكر أنّ الإمارات ومصر وقعتا اتفاقية شراكة استثمارية تاريخية، في 23 فبراير (شباط) 2024، بموجبها تقوم الشركة «القابضة» (ADQ)، وهي شركة استثمارية تتخذ من إمارة أبوظبي مقراً لها، باستثمار 35 مليار دولار في شبه جزيرة رأس الحكمة، وهي منطقة ساحلية على بعد نحو 350 كم شمال غربي القاهرة، تُقدر مساحتها ب 170 كيلومتراً مربعاً، أي نحو خمس مساحة مدينة أبوظبي.
وتتضمن رؤية التطوير أنْ تصبح «رأس الحكمة» مدينة الجيل القادم، ووجهة رائدة على البحر المتوسط لقضاء العطلات الصيفية، ومركزاً مالياً إقليمياً رئيسياً، ومنطقة حرة، مجهزة ببنية تحتية عالمية المستوى. وسوف تضم المدينة مناطق استثمارية، وصناعات خفيفة وتكنولوجية، ومتنزهات ترفيهية، ومرسى ومطاراً دولياً، بالإضافة إلى مشاريع أخرى سياحية وسكنية. ومن شأن مشروع رأس الحكمة أنْ يُضيف مركزاً جديداً لخريطة السياحة الدولية في منطقة البحر المتوسط، يستقطب نحو 8 ملايين سائح سنوياً، وينافس مدنها السياحية الرئيسية، وعلى رأسها المدن التركية الساحلية، مثل أنطاليا ومرمريس.
علاوة على ذلك، بحث سمو رئيس الدولة والرئيس السيسي القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تجدد الحملة العسكرية على غزة بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، والخطة العربية لإعادة إعمار غزة من دون تهجير الفلسطينيين، التي أقرتها القمة العربية الطارئة في القاهرة في 7 مارس (آذار) الجاري، والوضع في السودان.
وثمة اتفاق بين الطرفين على رفض دعوات تهجير الفلسطينيين من غزة. يذكر أنّ الحكومة المصرية نفت، في 21 مارس (آذار) 2025، ب«شكل قاطع» مزاعم إسرائيلية تتحدث عن استعداد القاهرة لنقل نصف مليون فلسطيني بشكل مؤقت إلى مدينة مخصصة في شمال سيناء، باعتبار ذلك جزءاً من خطة إعادة إعمار قطاع غزة. جاء ذلك في بيان للهيئة العامة للاستعلامات المصرية رداً على مزاعم وسائل إعلام إسرائيلية، مشدداً على موقف القاهرة الثابت ب «الرفض القاطع والنهائي لأي محاولة لتهجير الأشقاء الفلسطينيين».
وخلال الزيارة تم بحث الصراع في السودان. ووفقاً لتقديرات المراقبين، انصبّت المحادثات بين الرئيسين محمد بن زايد والسيسي على كيفية بلورة موقف مشترك تجاه وقف حمام الدم في السودان.
والخلاصة أنّ زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى مصر لم تكن مفاجئة، كما زعم البعض، وإنما تأتي في إطار الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية المتنامية بين دولة الإمارات ومصر.