حسام ميرو
قد يكون التكثيف الأبلغ دلالة عن انتكاس التاريخ، القول بأنه العودة عن منجز تاريخي ما، الأمر الذي يستلزم تحديد معيار نقيس من خلاله المنجز وفق خطّ تاريخي محدد، لكن ليس بالسهولة المتوقّعة الاتفاق العام بخصوص الغاية من التاريخ نفسه، إذ يخضع التاريخ لعدد من المقاييس وفق أيديولوجيات متعددة، قد يرى بعضها أن استعادة نموذج من الماضي يشكّل بحدّ ذاته تقدّماً تاريخياً، وانتصاراً لحركة التاريخ، أو انتصاراً لفكرة محدّدة عن التاريخ نفسه، يعتقد المؤمنون بها أن عودة تحقّقها في الواقع دليل ضرورة عملية، عدا عن كون عودتها تأكيداً لصحتها.
يصعب التعامل مع التاريخ بوصفه فضاءً مفتوحاً، لذا فإن علوم الاجتماع تحاول القبض على مركز محدّد للتعامل مع التاريخ، سواءً بوصفه سلسلة من الحوادث، أو بوصفه مجال الصراع الاجتماعي السياسي، والأرض الذي تولد فيها الأفكار أو تندثر، لكن كلا النموذجين، الوصفي، والتحليلي، اللذين يتعاملان مع التاريخ، يضعان نقطة مركزية، يمكن لهما من خلالها بناء بوصلة المقاربة، وقد كانت الدولة، والسلطة، ونموذج الحكم، واستقرار المجتمع، معايير أساسية في بناء المقاربات التاريخية، سواءً كانت تلك المقاربات تطال إمبراطوريات سابقة، وأنماط حكم سلطوية، أو الدول الحديثة.
مفهوم الدولة الحديثة، بدأ بالتبلور مع ظهور الدولة القومية في أوروبا، أو الدولة الأمة، في منتصف القرن التاسع عشر، والتي ارتكزت على عامل القومية، بوصفه الغراء اللاصق للمجتمعات، والأيديولوجيا التي يمكن أن تجمع مصالح مجموعة بشرية تنتمي إلى العرق نفسه، وقد مرّت هذه الدولة بعدد من التحولات الداخلية، كنتيجة لسلسلة التحدّيات التي واجهتها، كما دخلت في حروب خارجية نتيجة لتوسّع مشروعها القومي، كما في حالة ألمانيا، إذ حاولت تتويج مشروعها القومي بالتوسّع في القارة الأوروبية، فكانت الحرب العالمية الثانية، التي وضعت حداً لهذا التوسّع، وأعادت من جديد رسم طبيعة علاقات القوة للدولة القومية.
في السيرورة التاريخية للدولة الحديثة، هناك عامل أساسي يحكم آليات عمل هذه الدولة، ويجعل من الممكن إلى حدّ بعيد تجاوز أزماتها، من دون أن تتعرّض الدولة نفسها للانهيار، وهذا العامل المتمثّل بالعقلانية، أصبح راسخاً في القاموس السياسي. أن العقلانية سمة صميمية للدولة الحديثة، التي أصبح وجودها مرهون بمستوى ممارسة العقلانية، وتحويلها من مجرد مفهوم نظري إلى بنى مؤسساتية، حيث أصبحت المؤسسة التعبير الأبرز عن الدولة، أي أن الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات.
بدأت علاقتنا في العالم العربي مع الدولة بعد انهيار السلطنة العثمانية، ومحاولة القوى الإمبريالية الصاعدة آنذاك، وتحديداً فرنسا وبريطانيا رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وعلى الرغم من وجودهما بصفة انتداب، الصفة الرسمية التي حصلا عليها من عصبة الأمم، الكيان الدولي الأهم قبل نشوء الأمم المتحدة، إلا أنهما أسهما لأغراض وجودهما في تأسيس الدولة/ المؤسسة، من خلال أعمال البنى التحتية، والمحاكم، وسجلات القيد «النفوس»، ومؤسسة المصالح العقارية، وغيرها من المؤسسات المتعلقة بالدولة الحديثة.
كانت فترة الانتدابات مدة زمنية فاصلة بين زمن السلطنة العثمانية الذي امتدّ لأكثر من أربعة قرون، وبين زمن ولادة الدولة الوطنية، أو ما يعرف بزمن الاستقلال، حيث أصبحت معظم الدول العربية منذ خمسينيات القرن الماضي تحت حكم قادة وطنيين، وقد ورثوا مؤسسات عامّة وضعتها القوى الانتدابية، مستقاة من نموذج الدولة الأوروبية الحديثة، حيث تلعب البيروقراطية الدور الأكبر في تطبيق القوانين وتسيير شؤون الخدمات العامّة.
كان هذا التحوّل الذي عرفته الدول العربية منجزاً مهماً في التحوّل من زمن الرعية السلطاني إلى زمن آخر، انفتح فيه أفق بناء علاقة جديدة بين الفرد والدولة على أساس من الوطنية والمواطنة، لكن هذا التحوّل بوصفه ممكناً واقعياً، جرت عملية استنفاد له عبر عقود، حيث قامت معظم النخب التي وصلت إلى سدّة الحكم، خصوصاً منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، بعملية معايرة لمفهوم الوطنية، انطلاقاً من أيديولوجيتها الخاصّة، وبما يخدم توسيع نفوذها في الدولة والمجتمع، مع عملية موازية، في تقليص المواطنة إلى أضيق الحدود، وتحويلها إلى مواد قانونية غير مفعّلة في الواقع، بعد أن جرى انقضاض شرس من السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية.
لكن، على الرغم من أدلجة مفهوم الوطنية، وتقليص مساحة المواطنة، في الدولة الوطنية العربية، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى عام 2010، في الدول التي شهدت ما يسمى «الربيع العربي»، إلا أن الدولة الوطنية كانت قادرة على تأمين مستوى من الاستقرار الداخلي للمجتمعات، وتأمين تماسك كيان الدولة نفسه، وهو ما أصبح اليوم مفقوداً في معظم دول «الربيع العربي»، المعرضة للتقسيم أو استمرار الفوضى، مع شبه غياب كلي لعمل المؤسسات، وانتشار السلاح على نطاق واسع، وتراجع للبنى الاقتصادية والإنتاجية، وموجات لجوء متتالية، وانقسام مجتمعي حاد، وفقر معمّم.
إذا كان معيار تقدّم التاريخ هو الدولة الحديثة، فإن ما شهدناه خلال العقد ونصف الماضيين، هو انتكاس تاريخي موصوف، ليس عن الدولة الحديثة، بل عن الدولة.