د. نسيم الخوري

دخل لبنان خماسية الرؤساء العسكريين بانتخاب القائد جوزيف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية من أصل 14 رئيساً شغلوا سدّة الرئاسة مذ نال اللبنانيون استقلالهم عن فرنسا عام 1943. تمّ انتخاب فؤاد شهاب أول قائد جيش رئيساً للجمهورية اللبنانية تلاه انتخاب 4 قادة رؤساء للجمهورية في قصر بعبدا وهم: إميل لحود، ميشال سليمان، وميشال عون بعد عودته من منفاه الفرنسي وأخيراً جوزيف عون. منذ عام 1989 إثر مغادرة ميشال عون إلى فرنسا بعد مكوثه في السفارة الفرنسية 9 أشهر، كنت وما زلت أحد مؤسسي ثم أحد أعضاء الهيئة الإدارية لمركز «الدفاع الوطني للأبحاث والدراسات» الذي حصل على ترخيصه قائد الجيش إبراهيم طنوس ولم تسمح الظروف القاسية للجنرال ميشال عون بإطلاقه مع أنّه كتب الافتتاحية الأولى للعدد الأول ومضى نحو فرنسا فرانسوا ميتران.
جاهر القائد والرئيس الحالي جوزيف عون بكلّ ما يختزنه من تطلعات راقت اللبنانيين وغيرهم عبر خطابه ب: «العهد الجديد» الذي طمأن الأسماع وراق للأبصار والانتظار اللبناني الثقيل. أن يحمل رجل مخضرم صامت قائداً هذا التاريخ الطويل حالماً بنهضة الوطن وإعادة تأسيسه عبر تجربة وحدة الجيش الوطني الرسمي الذي تجاوز عديده السبعين ألفاً عبر مرحلة معقدة وثقيلة لم يتجاوز راتب الجندي خلالها ما يخجل الحبر عن ذكره. ترك القائد جوزيف عون خلال قيادته للمؤسسة تضحيات هائلة لا يمكن تعدادها وبصمت كبير وتواضع عميم، وبعدها راح يقرع رئيساً أبواب المستحيلات في السر والعلن وبتواضع وسلاسة ليصون، لا مؤسسة الجيش وحسب بل أحلام ملامح لبنان الوطن الجديد. نعم. لبنان الطامح للخروج من تراكمات طوائفه وأحزابه وجمعياته المركونة ب «العلم والخبر» أي «الكارثة قانونية لبنانية» التي تخوّل أيّاً كان بالحزبية عند اثنين أو ثلاثة لبنانيين علماً وخبراً من وزارة الداخلية يسمح لهم بممارسة الأنشطة الحزبية والسياسية. هكذا نفهم خلفيات القول لبنان ب: الساحة أو الساحات اللبنانية.
تسير الجمهورية الجديدة بحكمة على حكمة الرئيس جوزيف عون كما عرفناه قائداً للجيش إلى حكومة استراتيجية بهدف التغيير مع رئيسها الدكتور نوّاف سلام جمعتنا وإياه طلاباً المدينة الجامعية في باريس خلال دراساتنا العليا وفي أحلك الظروف التي عرفها لبنان منذ 1975 وبعدها. ليست قيامة الأوطان بكبسة من بين الركام العام، وليس بالمسألة الارتجالية تحت العيون الدولية، حيث تتراكم صعوبات تنقية صورة السلطات الرسمية المهلهلة عبر أطر قديمة إدارية تعفنت بالطائفية والمذهبية والانتفاعية والفساد، وهي رست لكنها تتغيّر وتتبدّل تباعاً بعدما ملّها اللبنانيون وخصوصاً الأجيال الشبابية والمهاجرة التي تنتظر مواسم الانتخابات البرلمانية المُقبلة في لبنان العالم لا الداخل وحسب.
لنقل إن بعض شعوب لبنان أدمنوا الخارج، وأي خارج لكأنهم معلّقون في الفضاءات المتنوعة اللغات والجهات والمفاهيم السياسية. يُقيمون أبداً فوق أراجيح تدفعهم حيث جهات الكرة الأربع، ويقودهم سياسيون أدمنوا الانقسامات الطائفية المرضية التي غصت بها الإدارات والوزارات والجامعات والورش قائمة وجاهزة لنهضة لبنان العامة. يشحذ فريق شاهراً كلّ أصناف المعارضة والفعاليات الإعلامية وأسلحتها ومرجعياتها الدينية والعربية والإقليمية وفريق آخر يشهر سلاح التشفّي والسجون والمحاسبة والمساءلة، وفريق آخر يُطرح مصيره ومصير سلاحه وصواريخه فوق الطاولات الحوارية والإقليمية والدولية، بينما الشعوب اللبنانية تشحذ اللقمة ونقطة الماء ومصباح الكهرباء، متلهّفة اللحظة التي يرسون فوق أرض بلدهم الدوّار بعيداً من الثورات والاحتجاجات والتدخلات القريبة والبعيدة.
ماذا ينتظر اللبنانيون؟ لا للانتظار بقدر المساهمة العامة بنهضة لبنان السؤال عن لبنان الحياة بدلاً من لبنان الفقر والموت. ينطق المستقبل اللبناني بالتخلًص من الجيوش الطائفية التي تجذرت في دوائر الدولة ويتقاسمون غلالها، أمّا اللبنانيون فلا يعنيهم كثيراً، ماذا يكتب أو يقال في البيان الوزاري أو مقولة الشعب والجيش والمقاومة أو عدمها، بل الأكثر أهمية بالنسبة إليهم هو انتظار ملامح جديدة لمستقبل زاهر لا يُثمر إلا بالالتفاف جذرياً حول العهد الجديد في حقبته الجديدة.
هناك مناخ جديد لا يمكن وسمه بالانتظار، إذ ترى عبر شرائح الشابات والشباب أنّ انخراطاً ملحوظاً يتجاوز فكرة الانتظار كي يفعل الغير ما نترقبه وبه يحلمون وطناً جديداً مشرّع الأبواب والقناعات على العرب ودول العالم بهدف تخطي هذه المرحلة التمهيدية من العهد الجديد، وكأنهم ينتظرون الحكومة الجديدة القادمة إياها بأركانها الرئاسية لإعلان عناوين نهضة لبنان الجديد واللبنانيين، بعدما رصدت معظم الستائر والأقنعة المهلهلة عبر أحزابهم إذ أدمنوا تقديم أنفسهم وقوداً للزعماء وهمهم إجهاض فكرة نهضة لبنان الجديد ولو تخطّى عمره المئة سنة سيبقونه الضرع الحلوب الطائفي.
وتبقى الأسئلة المرضية حول ماذا يعني بل متى وكيف ومن سيبشّر اللبنانيين في الداخل والخارج فيُريحهم من الأجواء السياسية والوطنية المعقّدة والمشلولة بالتنافر المذهبي شبه القاتل في لبنان؟ يسألونك: ألم يحن الوقت لتجاوز العقود المتراكمة قهراً وإثبات إمكانيات الاطمئنان لمستقبلهم ومستقبل أجيالهم؟ لا تُحصى الأسئلة اليومية وهي متعددة ولجوجة في الأحاديث ووسائل الإعلام تطرح الحق بالحياة فتظهر الأسئلة وجهة الأطفال والأجيال والمستقبل.

[email protected]