سلطان حميد الجسمي*

الأوطان تُبنى بمجد رجالها الأوفياء الذين رسموا خارطتها بالقوة والحكمة والولاء، فجعلوا من عزيمتهم حصناً، ومن حكمتهم منارة، ومن ولائهم عهداً لا يزول، فالدول التي تُنتج رجالاً صالحين إنما تُنتج وطناً صالحاً شامخاً بين الأمم. ونهضة الدول لا تأتي مصادفة، بل تقوم على ركائز ثابتة، في مقدمتها بناء الإنسان، فهو الثروة الحقيقية وصانع الحضارة، وباني المستقبل، ومعه أمن راسخ يصون المنجزات ويحفظ الكرامة ويفتح أبواب الغد.
فإذا تكاملت هذه الركائز، ازدهر الوطن، وارتفع شامخاً بين الأمم، وجاءت كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لتجسد هذه الحقيقة قائلاً «الخدمة الوطنية هي إحدى ركائز بناء الأجيال القادرة على مواجهة التحديات وترسخ فيهم قيم الولاء والانتماء والتضحية في سبيل الوطن من أجل الحفاظ على المكتسبات والمنجزات التي تحققت وتعزيز نهضة دولة الإمارات وأمنها واستقرارها».
وجاءت الخدمة الوطنية في دولة الإمارات برؤية من قيادتنا الرشيدة التي آمنت بأن حماية الوطن لا تكتمل إلا ببناء الإنسان وصقل قدراته، فهي ليست مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء المدة، بل منظومة وطنية تزرع القيم وتصنع الأجيال، مدرسة ولاء وانتماء، تُهذّب السلوك بالانضباط والمسؤولية، وتبني الجاهزية دفاعاً عن الوطن وصوناً لمكتسباته. إنها ثمرة حكمة القيادة وفخر الشعب، واستثمار في أعز ما نملك: شباب الإمارات.
الخدمة الوطنية ليست التزاماً فحسب، بل هي واجب مقدّس يفتخر به كل بيت إماراتي، فهي مصدر عزّ واعتزاز للأسر التي قدّمت أبناءها حباً للوطن وإيماناً بقدسية الانتماء، لتغدو الأسرة الإماراتية شريكاً أصيلاً في صناعة المجد وحماية الراية، وغرست في أبنائها قيم التضحية والولاء، وربتهم على معنى الانتماء الصادق، ووقفت خلفهم بالعزم والدعاء، تراقبهم بفخر وهم ينشأون في بيئة صحية نفسياً وجسدياً تُغرس فيها العزيمة وتترسخ القيم، ويكبر معها الإحساس بالمسؤولية والإخلاص، حتى تراهم في ميادين الشرف جنوداً للوطن، يرفعون رايته عالية بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر.
ولأنها مشروع وطني جامع، فإن الخدمة الوطنية تُحصّن شبابنا من الفكر المنحرف والجماعات الإرهابية التي تتخذ من استغلال العقول مدخلاً للفتنة والخراب، فهي تغرس في نفوسهم وعياً راسخاً يحميهم من التطرف، وتبني في عقولهم حصوناً فكرية قائمة على الاعتدال والوسطية والانتماء للوطن والولاء لقيادته. وبهذا، تتحول الخدمة الوطنية إلى درع يحمي الأجيال من الانزلاق وراء الأفكار الهدامة، وتبني جيلاً مؤمناً بأن قوته في وحدته، وأن مستقبله مرهون بوفائه لوطنه وقيادته.
لقد جاء قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية تجسيداً لرؤية عميقة من القيادة الرشيدة في دولة الإمارات، فلم يكن مجرد تشريع تنظيمي، بل محطة فارقة في مسيرة الوطن، غايتها الأولى غرس معاني الولاء والانتماء والتضحية في نفوس الأبناء. لقد عمّق هذا القانون الوعي الوطني، ورسّخ حقيقة أن حماية الوطن مسؤولية يشترك فيها الجميع، وأذاب الفوارق بين الماضي والحاضر ليصنع وحدة متينة بين الأجيال، وليؤكد أن الروح الإماراتية قادرة على مواجهة التحديات بروح لا تعرف الانكسار.
وقد رسخت القيادة الرشيدة ركائز كبرى تُجسّد رؤيتها في صناعة الأجيال وحماية الوطن، فجاءت هذه الغايات السامية لتعكس جوهر الرسالة الوطنية، ولتكون بوصلة تهدي الشباب نحو الولاء والانتماء والطموح. فالخدمة الوطنية تعمّق الإحساس بالوطن والاستجابة لأوامر القيادة، وتبني وحدةً وتجانساً يربط المجندين بالمجتمع في تلاحم لا ينفصم، وتصقل فيهم النضج والمسؤولية ليكونوا مواطنين صالحين قادرين على تحمّل الأعباء. وهي أيضاً تغرس الشجاعة والتضحية، وتزرع في نفوس الشباب إرادة صلبة لمواجهة التحديات وتقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتغرس فيهم الطموح الذي يرتقي بقدراتهم ويجعلهم قدوة للأمة.
ولا تقف الغاية عند هذا الحد، بل تمتد إلى الاستراتيجية الوطنية للخدمة الوطنية التي تبني احتياطاً قوياً ومؤهلاً، انطلاقاً من مبدأ أن الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية، لتتحول الخدمة الوطنية إلى قيمة راسخة تُعزز الثقافة الوطنية، وتُحصّن المستقبل بالأمن والاستقرار.
إن الخدمة الوطنية ليست مجرد محطة في حياة الشباب، بل هي مدرسة عظمى تعكس وعي القيادة الرشيدة بأهمية الاستثمار في الإنسان، وتجسّد أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الرجال. فهي تصوغ الشخصية الإماراتية القوية، وتربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتؤكد أن عزة الوطن من عزة شبابه. ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تثبت الإمارات أن حاضرها محصن بسواعد أبنائها، وأن مستقبلها سيبقى مزدهراً بقيادة رشيدة، آمنت بأن حماية الوطن شرف لا يعلوه شرف، وأن الولاء الصادق والتضحية الخالصة هما سر المجد والكرامة.
*كاتب وإعلامي

[email protected]