محمود درويش بصفة مراقب

00:09 صباحا
قراءة دقيقتين

ينظم معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الجديدة المنعقدة هذه الأيام في العاصمة الأردنية، العديد من الفعاليات الثقافية المحلية والعربية، والتي تنسجم مع تاريخية المعرض وأهميته في ذاكرة الكتّاب الأردنيين بوصفه حدثاً ثقافياً يتجاوز شكلية عرض الكتب إلى فضاءات أكثر رحابة تتصل بالكتابة والأدب بشكل عام، وبالطبع، يشارك في هذه الفضاءات نقاد وناشرون وشعراء، يشكلون حالة أدبية ثقافية جميلة بالفعل في عمّان الذاكرة والتاريخ، والمعنى الذي نستعيد من خلاله أطياف وحضور الكثير من الكتّاب الغائبين عن هذه الفانية.

يتوقف المتابع الثقافي الأردني والعربي عند ندوة محمود درويش في المعرض، والتي أحياها الناقدان المحترمان والحاضران بقوة في المشهد الثقافي العربي: فخري صالح، وصبحي حديدي، وكانت طاولة الحوار حول تساؤل واحد سبق وأن جرى تداوله في مناسبات ثقافية عربية: الشعر العربي، وربما الشعر الفلسطيني بشكل خاص، إلى أين بعد محمود درويش؟ مجازياً، أو رمزياً، يبدو صاحب «سرير الغريبة» حاضراً في المعرض، بصفة مراقب حين نتساءل عن الشعر أو مصير الشعر بعد غيابه، وهو تساؤل ثقيل الإيقاع على روح الشاعر لو كان على قيد الحياة، إذ سيتساءل الشاعر نفسه: أإلى هذا الحد هو فاصلة زمنية ووجودية أو نفسية في تاريخ الشعر تتكشف إلى زمنين: ما قبل درويش، وما بعد درويش؟ يراقب صاحب «الجدارية» مثل هذه الأسئلة أو التساؤلات بمزاجيته الحادة، ويغيب في صمته وفي عزلته، ويذهب، فقط، إلى الشعر الذي يعرف أنه زمن وأنه تاريخ، ولكنه محمود درويش في حد ذاته ليس هو الزمن: ما بعد أو ما قبل، وليس هو التاريخ الذي عادة ما يكرر نفسه.

محمود درويش في ذاته زمن شعري بأكمله، وهو أيضاً، تاريخ شعري بأكمله، ولم يكن يكتب الشعر وهو واقف في عرض الشارع، ويمنع الهواء بصدره عن الشعراء.

ليس شرطياً محمود درويش، ولا سداً يمنع الماء عن الحقول والطيور، وهو ليس مرحلة شعرية انتهت، وينتظر الآن توصيف المرحلة أو المراحل التي تليه، ومن يجلس ليستمع أو يراقب جوهر مثل هذه الأسئلة والتساؤلات (ما بعد درويش)، إنما يذهب إلى استفهام وجودي أكبر ربما يتمثل في هذا السؤال: الشعر العربي كله إلى أين؟ إلى أين لغته، إلى أين كينونته الجمالية؟ إلى أين ظواهره النقدية والفكرية والثقافية، سواء أكان درويش حاضراً أم غائباً، سواء أكان درويش مرحلة أم كان تاريخاً أم كان ذاكرة؟ ليكتب الشعر من يكتب، وما دخل درويش أمس، والآن، وغداً؟ ثم، لماذا نصوّره عقبة أو صخرة أو شجرة صارت غابة، أو غطت على غابة؟ هناك قلق فكري غير مفهوم، أو غير محدد في مراجعة محمود درويش على هذا النحو المختزل في سؤال «الما بعد» هذا.. إنه سؤال يرثي الشاعر، ويلغي فكرة حضوره الأبدي في الغياب الزائل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"