علي عبدالله الأحمد *

يبدو الرهان صعباً على عودة القارة العجوز إلى صباها، لكن ليس مستحيلاً. فالقارة التي أشرقت منها أنوار النهضة، وانطلقت منها الثورات الصناعية والعلمية والفكرية، ما زالت تملك في عمقها نبضاً شاباً لم يخفت تماماً. أوروبا اليوم تبدو وكأنها تتأمل صورتها في مرآة التاريخ، تتساءل: هل يمكن أن أعود كما كنت؟ ومع كل أزمة اقتصادية أو سياسية، يشتد الحنين إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه باريس تُقرر الموضة، ولندن ترسم السياسات، وبرلين تحدد الإيقاع الصناعي للعالم.
بين قصور باريس ومقاهيها تكمن أسرار كثيرة، وعراقة تتجاوز عتبات قرون من الجمال والألق. ليست باريس مجرد عاصمة ثقافة أو فن، بل ذاكرة مفتوحة على العالم، كل شارع فيها يحكي عن فكرٍ حر، وثورة، وميلاد جديد. ورغم ما أصابها من تعب سياسي واقتصادي في السنوات الأخيرة، إلا أن باريس لا تزال تمثل وجه أوروبا المتحضر، المدينة التي تجمع بين الرومانسية والسياسة، بين العقل والخيال، وكأنها تذكّر العالم بأن أوروبا لا تُقاس فقط بمعدلات نموّها، بل بقدرتها على الإلهام.
وفي برلين هناك حكاية تستحق أن تُروى أينما نظرت. ليست بقايا أطلال من تاريخٍ أفل، بل شهود عيان على تاريخ أوروبا الذي طالما شكّل العالم الذي نراه اليوم. من جدارٍ قُسم فيه العالم إلى نصفين، خرجت برلين اليوم مدينةً موحدة ترمز إلى الصبر وإعادة البناء. روح برلين تعبّر عن جوهر أوروبا: النهوض من بين الركام، والقدرة على تحويل الألم إلى طاقة. في شوارعها ترى ما يُشبه مختبر المستقبل، شركات ناشئة في التكنولوجيا الخضراء، ومراكز أبحاث تسعى لتقليل الانبعاثات، وجامعات تدمج الاقتصاد بالبيئة في معادلة واحدة.
الثقافة والتاريخ هما ركائز أوروبا، ولكن لغة الاقتصاد هي الحكم في زمنٍ تتصارع فيه الأمم على الأرقام لا على الحكايات. فمهما كانت الذاكرة غنية، تبقى القوة في الناتج المحلي، في القدرة على الابتكار، وفي السيطرة على سلاسل الإمداد العالمية. هنا يُطرح السؤال المؤلم: هل ما زالت أوروبا قوة اقتصادية قادرة على المنافسة في عالم تحكمه أمريكا بالتمويل، والصين بالإنتاج؟ الجواب ليس بسيطاً، لكن أوروبا ما زالت تملك أدواتها، من القوانين التي تنظم الأسواق، إلى العقول التي تصنع الفكرة قبل أن تتحول إلى منتج.
غياب الموقف السياسي الأوروبي الموحّد هو أحد مواطن ضعفها. فليس من السهل جمع 28 دولة حول موقف واحد في عالم يتغير كل صباح. التباينات بين دول الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، تجعل من القرار الأوروبي رحلة طويلة عبر بحر متقلب الأمواج. ومع ذلك، فإن هذه الفسيفساء هي أيضاً مصدر غناها، فتنوع الآراء والمصالح يخلق توازناً دقيقاً يمنع أوروبا من الوقوع في التطرف السياسي. ومن هنا، فإن التعامل الثنائي مع كل دولة أوروبية يظل أكثر واقعية وفاعلية، كما تفعل دول الخليج التي تعي أن بروكسل ليست مركز القرار الوحيد في أوروبا، ولهذا تأتي أهمية العلاقات مع كل عاصمة أوروبية على حدة.
لننظر إلى الصناعات الأوروبية، وخصوصاً الألمانية، فهي حكاية متجددة من الانضباط والدقة. الجودة الأوروبية ليست شعاراً بل فلسفة حياة.
وماذا عن الجامعات الأوروبية؟ من يستطيع أن يقارع السوربون، وأكسفورد، وكامبريدج، وبولونيا، وسلامانكا، وفيينا، وهايدلبرغ؟ إنها ليست فقط جامعات، بل مؤسسات شكّلت الفكر الإنساني. من قاعاتها خرج الفلاسفة والعلماء والمصلحون الذين أعادوا صياغة مفاهيم الحرية والعدالة والتفكير المنهجي. أوروبا تعرف أن التعليم هو استثمار طويل الأمد، وأن الجامعات ليست مباني بل مصانع للأفكار والسياسات التي تحكم المستقبل.
حاول أن تتخيل شعور المواطن البريطاني المسيحي عندما يرى عمدة لندن، أو برايتون، أو تاور هامليت من المسلمين ذوي الأصول الآسيوية. إنها لحظة رمزية تعبّر عن تحوّل عميق في البنية الاجتماعية الأوروبية. هذا المشهد قد يثير قلق البعض، لكنه أيضاً دليل على أن أوروبا رغم شيخوختها المزعومة ما زالت قادرة على التجدد من داخلها، وأن الديمقراطية فيها لم تعد حكراً على لون أو دين.
قد تكون شهادة سفير سابق في فرنسا وألمانيا مجروحة، لكن لغة الأرقام لا تجامل. فلكل دولة أوروبية عوامل قوة وتحديات. ألمانيا مثلاً -قاطرة أوروبا- تتمتع ببطالة منخفضة وتضخم معتدل وديون منضبطة، وهي بذلك تشكل نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه أوروبا إن أحسنت إدارة مواردها.
وربما الفرصة اليوم سانحة للتركيز على الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا، التي تمثل أكثر من 23 مليون كيان وتوظف نحو 100 مليون شخص. إنها العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي، والعصب الحقيقي الذي يحافظ على حيويته. ودعم هذا القطاع اقتناص الفرص الاستثمارية فيه سيكون مجدياً، وفي نفس الوقت هو المفتاح لإعادة الشباب إلى القارة العجوز.
كثيراً ما نسمع أن أوروبا هي الخاسر الأكبر في الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، ولكن قد يكون الرهان على عودة أوروبا إلى صباها ليس خيالاً، بل هو الاحتمال الأرجح.
* سفير دولة الإمارات سابقاً في فرنسا وألمانيا