اللهجات المحلية... ذاكرة الإمارات الحيّة

00:40 صباحا
قراءة 3 دقائق

علي عبدالله الأحمد *

اللهجات المحلية في أي دولة هي جزء أصيل من ثقافة المجتمع، فهي المرآة التي تعكس ملامح الحياة اليومية، وتُعبّر عن طريقة التفكير، ودفء العلاقات، وملامح الزمان والمكان. وتعدّد اللهجات ليس علامة تفرّق، بل هو بمثابة وسائط متنوّعة لتراث شفهي غنيّ ومتنوع، لأنه يختلف في قصصه وطريقة سرده ونبرة تعبيره. ويمكن القول إن اختلاف التضاريس وطبيعة المهن بين مناطق الدولة الثلاث: البرية والبحرية والجبلية، كان له الأثر الأكبر في تشكّل هذه اللهجات وتمايزها، إذ عبّرت كل بيئة عن نفسها بلغتها الخاصة، بإيقاعها وعباراتها ومفرداتها المتوارثة.
لقد شكّل التنوّع الجغرافي والقبلي في الإمارات لوحة فريدة من التناغم اللغوي، فهناك قبائل انتشرت في غالبية المناطق، تحمل معها لهجاتها وطرائق نطقها، فيما احتفظت قبائل أخرى بلهجاتها الأصيلة المرتبطة بالمناطق التي عاش فيها الأجداد منذ القدم. ومع حركة التنمية والتمدّن التي رافقت نشوء المدن الحديثة، انتقل أبناء القبائل من بيئاتهم الأصلية إلى المدن الكبرى، حاملين معهم لهجاتهم وذكرياتهم. ومع مرور الزمن، نشأ جيل إماراتي جديد مرتبط بالمدينة التي نشأ ودرس فيها، وبالحي الذي كوّن فيه صداقاته وتجاربه، فكانت له هوية لغوية هجينة تتأرجح بين لهجة الأبوين ولهجة الحاضر.
وهكذا، وبفعل التفاعل الحضري، بدأ الجيل الجديد يفقد تدريجياً لهجة أبويه الأصلية، وبدأت تظهر لهجة حضرية جامعة تتقاطع فيها الأصوات والمفردات من مختلف المناطق. وهنا يكمن لبّ الحديث: ليس في ذوبان اللهجات القديمة، بل في ضرورة حفظها وتوثيقها قبل أن تذوب تماماً في نسيج المدن الكبرى.
إن تسجيل اللهجات المحلية اليوم أصبح مسؤولية ثقافية ووطنية. ومن أجمل وسائل حفظها إنتاج محتوى رقمي حديث لا يكتفي بسماع اللهجة الأصلية لمنطقة أو قبيلة معيّنة، بل يقدّم من خلالها قصصهم وأمثالهم وأهازيجهم وشلاتهم وغنائهم الشعبي. فاللهجة ليست مجرد أصوات، بل هي حامل للذاكرة ووسيط للحكمة التي تشكّلت عبر قرون من التجارب. حتى الخرافات والقصص الخيالية القديمة التي رواها الأجداد في الليالي الطويلة، تحمل في جوهرها قيماً إنسانية وحكمة عملية، تعكس نظرة الإنسان الإماراتي للحياة، وصراعه مع الصحراء والبحر والجبال من أجل لقمة العيش في أرض قاحلة صعبة المراس.
الاحتفاء باللهجات المحلية لا يهدّد العربية الفصحى، بل يُثريها ويغذّيها. فالكثير من المفردات الشعبية والأمثال الإماراتية جذورها عربية فصيحة، لكنها تلفظ وتُستخدم بطريقة تختلف قليلاً تبعاً للبيئة. وفي بعض الأحيان، تحمل الإشارة أو الحركة عند أبناء منطقة واحدة المعنى ذاته، حتى دون حاجة للكلام، ما يعكس عمق الانسجام الثقافي والرمزي في المجتمعات المحلية.
ومن المألوف في الإمارات أن تُستخدم مسميات مختلفة لذات الشيء بحسب المنطقة، ومع ذلك، فمعظم اللهجات تتقاطع وتتشابه، ويسهل التفاهم بين متحدثيها. لكن هناك أيضاً لهجات نادرة أو عريقة قد لا تُفهم إلا بشرحٍ وافٍ، وهي ما يجعل التوثيق أمراً ملحاً قبل أن تختفي ملامحها.
إن قصائد القبائل وشعرائها الشعبيين تمثل الوعاء الأكبر لحفظ اللهجات، إذ وثّقت القصائد لسنوات طويلة لغة الناس وأحلامهم ومواقفهم، ولكن من المهم ألا يُختزل فهم اللهجة في الشعر وحده، فاللهجة أوسع من الوزن والقافية، إنها حياة كاملة من التعبير والمشاعر والعادات والتقاليد. ولعل أجمل من يتقن اللهجات الإماراتية هم كبار السن الذين ما زالوا يحتفظون بنقاء النطق ودقة التعبير. وبين الحين والآخر، نجد شباباً وشابات يحرصون على التحدث بلهجة أهاليهم الأصلية، وكأنهم يروون جذور الشجرة كي لا تيبس. وهؤلاء يشكّلون الجسر بين الماضي والحاضر. ولكن وحده التوثيق المنهجي المدعوم بالمؤسسات الثقافية والإعلامية هو ما يضمن استمرار هذه الذاكرة الحيّة.
هناك الكثير في ثقافة مجتمعنا المحلي يرقى إلى أن يصنف كتراث غير مادي حسب شروط اليونسكو التي تشمل خمسة مجالات رئيسية:
1. التقاليد والتعبيرات الشفوية (ومنها اللغة كوسيلة للتعبير).
2. الفنون الأدائية.
3. الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات.
4. المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.
5.الحرف التقليدية.
إن تسجيل اللهجات المحلية ليس ترفاً ثقافياً، بل هو واجب وطني وإنساني، لأنه يحفظ جانباً من روح المكان وصوت الإنسان الإماراتي في مراحله المختلفة. فكما تحافظ الأمم على آثارها ومعمارها، فإن اللهجات هي الآثار السمعية للمجتمع، هي التي تجعل كل كلمة تُقال باللهجة الإماراتية الأصيلة صدىً للتاريخ ودفئاً للانتماء.

* المندوب الدائم لدى اليونسكو سابقاً

عن الكاتب

سفير الإمارات في ألمانيا وفرنسا والمندوب الدائم لدى منظمة اليونيسكو سابقاً، يشغل حالياً منصب الوكيل المساعد للسياسات في وزارة الدفاع
* حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"