عبد الإله بلقزيز

من مناهل متعدّدة ومختلفة: علميّة وفكريّة واقتصاديّة... تنهل عقيدةُ القوّة والتّفوّق (السّائدة اليوم، بل منذ قرون، في الثّقافة الغربيّة كما في الذّهنيّة العامّة في مجتمعات الغرب) مواردها ووَقود اشتغالها لتندفعَ هذا النّوع من الاندفاعة الذي نشهد عليه اليوم، والذي يكاد أن يبْلُغ بتلك الثّقافة ومجتمعاتها حدود الانهواس الكامل بالقوّة.
نعرف، على اليقين، أنّ مجتمعاتٍ وحضارات عدّة دفعت من مكانتها ومن مركزيّتها في عهدها ومحيطِها أكلافاً فادحةً من وراء ما مسَّها من جنون القوّة والانسكانِ الجماعيّ به، فما لبثت -بعد اندفاعة قوّتها نحو الأبعد- أن خدعتها تلك القوّة واستسلامها القَدَريّ لها لتجد نفسَها، فجأةً، تتآكل قدْراتٍ وتتداعى تحت وطأةِ فعْلِ ضغْطٍ من قوى أخرى من خارجها باغَتها أثرُها المدمِّر فأخذها على حين غِرّة. نشير، في إسراعٍ، إلى منهليْن رئيسيْن متَحتْ منهما تلك العقيدةُ الغربيّة الحديثة هما: العقلانيّة والعلم.
قامت العقلانيّة وفلسفتُها، منذ القرن السّابع عشر، على فكرةِ مركزيّةِ العقل في الوجود الإنسانيّ والاجتماعيّ، وعلى النّظر إليه بما هو السّلطة المعرفيّة العليا الوحيدة التي ينبغي أن تَنْحكم بها أفكارنا وأفعالنا وتخضعَ لقواعده. وهي إذْ بدأت فلسفةً محدودةَ الأثر في نطاق نخبةٍ ضيّقة، سرعان ما اتّسعت نطاقاً وطالت تأثيراً بيئاتٍ من المجتمع أوسع إلى حيث تشبّعت مجتمعات الغرب بقيمها فاستبطنتْها في يوميّاتها.
سدّد انتصارُ العقلانيّة وسيادةُ قيمها ضربةً شديدة للكنيسة والتّفكير اللاّهوتيّ ولإرادة مصادَرة حقّ الإنسان في التّفكير الحرّ، بعيداً من التّفسير الرّسميّ الإكليروسيّ للنّصوص، هكذا بدتِ العقلانيّة -مستندةً إلى فتوحات العلم- وكأنّها تتّجه حثيثاً إلى إعلان سيادة العقل على أشياء العالم، في امتداده، سيادة الإنسان المتوسِّلِ سلطةَ العقل سلاحاً لممارسة تلك السّيادة على العالم وعلى نفسه في آن.
ولكن، لمّا كان العقل تلك المَلَكة التي انماز بها الإنسان، داخل الجنس الحيوانيّ، وانفصل بها عن مملكة ذلك الج نس فأخضعه لقوّته النّوعيّة (العقل)، فقد نجم من ذلك اعتقاد رَسَخ مع الزّمن، في الوعي الإنسانيّ، مفادُه أنّ الإنسان مركزُ الكون وسيّدُهُ لأنّه يحْتاز مفتاح أسراره الذي لا يملكه غيرُه: العقل. هكذا بات العقل وَقوداً لفكرة القوّة في الوعي الغربيّ، وبات يمكن الاستدلال على ذلك الاقترانِ بينهما بما لا حصْر له من الشّواهد على فتوحات ذلك العقل: في المعرفة والمجتمع.
ولَمّا كانت مجتمعات الغرب (أوروبا خاصّةً) هي موطن العقلانيّة الحديثة وهي التي شهدت على تطبيقاتها في الاقتصاد والإنتاج والنّظام السّياسيّ والعسكريّ، ولمّا كانت تلك التّطبيقات قد أفضت إلى بسط الغرب سيطرتَه، بالقوّة النّاريّة، على العالم كلِّه، فقد تَعاظَم بذلك اعتقاد بتفوّق أوروبا والغرب على عوالم العالم الأخرى، بل كثيراً ما اعتُبِر التّفوّق ذاك تفوّقاً للعقل (الغربيّ) على «اللاّعقل» خارج حدود الغرب!
أثبتت علوم الرّياضيّات والطّبيعة، من جهتها أيضاً، إلى أيّ حدٍّ مثّلت مصدراً وذخيرةً لفكرة القوّة في الوعي الغربيّ لِمَا أتاحته من فرص الانتقال من دوائر ما كان في حكم المستحيل إلى ما بات في حكم الممكن. إذا كانت تطبيقات العلمِ التّقنيّة والآليّة قد فرضت ثورتَها الهائلة في ميادين الإنتاج والاقتصاد والبنى التّحتيّة والطّبّ، كما في السّيطرة على الطّبيعة والزّمان والمكان، وانعكست تيسيراً ملحوظاً لشروط المعاش الإنسانيّ وتذليلاً لصعوباته.
هكذا انتقل الوعي الغربيّ، سريعاً، من التّسليم بتفوّق النّوع الإنسانيّ على سائر الأنواع التي تنتمي إلى الجنس الحيوانيّ -مدعوماً في ذلك بإفادات علم الأَحياء حول خصائص كلّ نوع وتراتبها بينها- إلى القطع بوجود تَفَاضُلٍ بين «الأعراق» داخل النّوع الإنسانيّ، بحيث إنّ بعضَها يَشْرُف بعضَها الآخر -بعد أن أوغلت البيولوجيا في تصنيف «الأعراق» وبيان تطوّرها- منتهياً إلى حسبان الأبيض (الأوروبيّ) أرقاها جميعاً! على أنّ نتائج نظريّات تطوُّر الأنواع، في علوم الأحياء الحديثة، لم تغيّر نظرة الإنسان إلى تطوّر الكائن الحيّ، وإلى الإنسان بالذّات، فحسب، بل هي ازدرعت نواة الفكرة العنصريّة في الثّقافة العامّة في مجتمعات الغرب، خاصّةً العنصريّة التي مبْناها على الأعراق وتفاضُلها، بالقدر عينِه الذي عزّزت فيه أزعومة تفوُّق الغرب في الوعي الجمعيّ بالنّظر إلى أنّ العنصريّة ليست أكثر من تعبيرٍ عن أزعومة التّفوُّق.

[email protected]