بعد ما يقارب القرن من إعلان الدولة الحديثة في صيغتها القطرية في العالم العربي، يبدو أن هذا الكيان/ الدولة قد انتهى إلى نقيضه في عدد من الدول العربية، أي إلى سلطة بلا دولة، وهوية بلا مواطنة، ومجتمع مفكّك تحكمه عصبيات ما قبل الدولة، فقد انقلب مشروع الدولة الذي ولد من رحم الحداثة السياسية إلى جهاز قهري، استغنى عن السياسة، وفي عمقها فكرة المشاركة، فكان من الطبيعي بمكان أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، فاسحاً في المجال لعودة التاريخ إلى ما قبل الدولة، وإلى ما قبل الحداثة.
بعض الدولة العربية الحديثة حين تأسست في منتصف القرن العشرين، كانت تُقدَّم بوصفها ثمرة التحرر من الاستعمار، وبداية لزمنٍ جديد من السيادة والتقدم. غير أن هذا الكيان السياسي حمل منذ بدايته تناقضاً جوهرياً بين الشكل والمضمون، فقد استعار نموذج الدولة من الغرب، لكنه لم يؤسّس لشرعية حديثة داخلية.
كانت الدولة في كثير من التجارب العربية نتيجة صفقة بين النخب العسكرية والإدارية، لا بين المجتمع والسياسة، وعوضاً عن أن تسهم الدولة في التأسيس لعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بصيغ حداثية، تحوّلت إلى أداة احتكار للسلطة والثروة باسم الأمة أو الثورة أو الحزب أو الدين، وهذا الانفصال بين الدولة والمجتمع جعلها جسداً بلا روح، قابلاً للانهيار مع أول زلزال سياسي أو اجتماعي.
في العقود الأولى بعد الاستقلال، وعلى الرغم من التطور اللا متكافئ بين الدول العربية، إلا أن الأنظمة الحاكمة بدت كأنها تمتلك مشروعاً سياسياً، بمفردات حداثية، من قومية واشتراكية وتنمية وعدالة اجتماعية، لكن ما حدث فعلياً أن كل هذه المفردات تآكلت في الواقع الفعلي.
في البلدان التي شهدت الموجة الأولى والثانية مما سمي ب«الربيع العربي»، سرعان ما تحوّل مشروع التغيير السياسي إلى حروب داخلية، كشفت من بين ما كشفت عنه هشاشة فكرة الدولة نفسها لدى جميع الأطراف المتصارعة، التي لم تحرص على تحييد الدولة ومؤسساتها عن الصراعات، ما جعل تمزيق الشرعية إلى شرعيات مختلفة أمراً يسيراً، وجزءاً من ديناميات الحرب، التي أعادت للواجهة كلّ العصبيات المضادة لفكرة الوطنية الجامعة.
العصبية التي تحدّث عنها ابن خلدون، بوصفها القوة التي تُنشئ الملك وتؤسّس الدولة، عادت اليوم بشكل مقلوب. فبدل أن تكون العصبية مقدمة لتأسيس الدولة، أصبحت بديلاً عنها. في المجتمعات التي فقدت الرابط السياسي، استعادت الجماعات ولاءاتها القديمة لتجد في الانتماء الطائفي أو العشائري أو الإثني مأوى من الفوضى. لم يكن هذا الانبعاث تعبيراً عن تقهقر في فكرة الاجتماع وحسب، وإنما كان تحوّلاً سياسياً عميقاً، فالنظام السياسي نفسه بدأ يستند إلى هذه العصبيات لضمان بقائه.
بهذا المعنى يمكن القول إن ما شهدته بعض الدول العربية التي دخلت دوامة الاحتراب الداخلي، لا يمكن اعتباره مجرد انهيار للدولة، وإنما انهيار للمجال العقلاني التفاوضي الذي يدير المصالح المشتركة، ويمنع وصول الأزمات الوطنية إلى لحظة الانفجار، والمفارقة أن هذه العودة إلى العصبية لم تحدث ضد الدولة فقط، بل حدثت من داخلها. فحين تحوّلت الدولة إلى سلطة مغلقة، كان بدهياً أن ينكمش مفهوم المواطنة، وأن يتحول الولاء لعصبيات ما قبل الدولة إلى طوق نجاة، بعد أن فقد المواطنون ثقتهم بالمؤسسات.
إن هذا التقهقر والانتكاس من مشروع الدولة الوطنية الحديثة إلى العصبيات مرآة لمجمل تاريخ المنطقة بشكل عام، ولجزء واسع منها بشكل خاص، حيث باءت التجربة بالفشل، لأن ما استنسخ من الدولة الحديثة هو شكلها وليس مضمونها أو روحها.
الدول العربية التي انهارت في السنوات الأخيرة تحوّلت إلى خرائط وولاءات وعصبيات، تستعيد فيها الجماعات رموزها وتبني سردية وجودها بما يخدم بقاءها ومصالحها، وتعوّم زعماء على مقاسها، مع وهم كبير سائد لدى هذه الجماعات أنها قادرة على العيش والبقاء من دون الدولة، وهو ما يعني عملياً جولات لا نهائية من الصراعات الدموية، تقودها جماعات تنتمي إلى الماضي، لا إلى الحاضر والمستقبل.

[email protected]