مفتاح شعيب

في الصباح، يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه رجل سلام ويعمل على إنهاء الصراعات وإنقاذ البشرية، وفي المساء يهدد فنزويلا، ويلوّح بشن عمل عسكري في نيجيريا، ويوجه تحذيرات إلى إيران، وتارة إلى روسيا والصين، وأحياناً يهاجم بعض الحلفاء الأوروبيين التاريخيين لبلاده، ما يضع غشاوة من الشك أمام المراقبين لمعرفة حقيقة الموقف الأمريكي والسياسة الرسمية المتبعة، هل هي تلك التي تدفع إلى بناء السلام أم التي تفتعل الحروب؟
مواقف ترامب التي تبدو متباينة، صنعت ظاهرة لم تكن مألوفة في البيت الأبيض، وتمزج بين النقيضين في خطاب واحد، وتحاول تسويق وجهين للسياسة الأمريكية، أحدها يشي بالقوة والقدرة على الأداء والتغيير والسيطرة، والثاني يكشف نفاد الصبر على تحمل أعباء النظام الدولي والأمن العالمي والمساعدات المقدمة إلى الحلفاء. 
وعلى مدى القرن الماضي، على الأقل، لم تشهد الولايات المتحدة مثل هذا النمط من التفاعل مع القضايا الخارجية، ومع أنها معروفة بقوتها العسكرية الباطشة المنتشرة في القارات الخمس تقريباً، ظلت تعتمد على أدواتها الناعمة في استقطاب مزيد من الدول والشعوب، ومحاولة نشر قيمها الثقافية والاقتصادية، ما ساعدها لعشرات السنين على أن تظل القوة العظمى الأولى، وصاحبة الكلمة الأعلى في كل الأزمات، والقادرة على فرض الحلول وتحقيق المكاسب، وتوجيه العلاقات الدولية إلى ما يخدم نفوذها ومصالحها، ويستقطب لها مزيداً من الأنصار والحلفاء.
المفارقات التي يصنعها ترامب بخطاباته ومواقفه، مؤشر على أن صورة الولايات المتحدة المرتبطة بالعالم القديم أخذت تتغير وتسعى إلى التأقلم مع المستجدات الطارئة، بل إن ترامب اعترف في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن النظام الدولي يشهد إعادة بناء، وأن شعاره «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» هدفه استعادة القوة التي أهدرها الرؤساء السابقون، بسبب انشغالهم بالقضايا الخارجية وإهمال الداخل، الذي يشكو من البطالة والتضخم والجريمة وتآكل البنى التحتية. ورغم أن كثيراً من اعترافات ترامب تعبّر عن الواقع الأمريكي الحالي، تؤكد أيضاً أن واشنطن باتت تواجه عالماً شديد الانقسام وفيه دول عظمى، مثل الصين وروسيا، لم تعد قابلة للإخضاع ولا سبيل للتعايش معها إلا بالحوار والتوافق على نظام دولي جديد، أما مواجهتها فغير ممكنة وغير عملية، وحتى سياسة فرض العقوبات وزيادة الرسوم الجمركية ومحاولة ترهيب بعض الأطراف المناوئة، فإنها مجرد فقاعات مؤقتة سرعان ما ستكتشف الولايات المتحدة تداعياتها الكارثية على العالم.
كل ما يجري ويصدر عن البيت الأبيض يعبّر عن حالة قلق أمريكية مستفحلة، ويحسب لترامب أنه امتلك الشجاعة للتعبير عنها بأسلوب سياسي معتمد على الإثارة والتشويق، فبعض القرارات والمبادرات، تتألق ساعات أو أياماً ثم تختفي ولا يذكرها أحد، لأن هدفها الأساسي كان لفت الأنظار إلى واشنطن وليس إحداث تغيير فعلي، فكم من أزمة تباهى ترامب بأنه أنهاها أو وعد بحلها بجرة قلم ولم يفعل، مثلما هو الحال في الصراع الدائر في أوكرانيا، الذي يبدو أنه سيجر الولايات المتحدة مجدداً إلى سباق تسلح نووي جديد، ما قد يوقعها في الفخ الذي نصبته قبل عقود للاتحاد السوفييتي السابق.

[email protected]