جميل مطر
المتابع للرئيس دونالد ترامب لا يضجر ولا يمل. أتصور أنه من دون شك ساهم في تسهيل عملية مراقبة انتقال العالم إلى طور جديد ومختلف. صحيح أنه ليس اللاعب الأفضل في هذه المرحلة من لعبة تدوير النظام الدولي، لكنه بالتأكيد اللاعب أو الطرف الأكثر تشويقاً وإمتاعاً. هو النموذج الأمثل للسياسي الملتزم عقيدة ونظرية القوة في السياسة الدولية والرافض تماماً بل والكاره كرهاً مقيتاً للنظرية الأخلاقية.
أتابعه بامتياز، خاصة بعد أن تأكدت أنه بأفعاله وأقواله اجتمع من بين من احترفوا النقد الساخر في الولايات المتحدة أشهرهم في حدة اللسان وعمق السخرية ورقي الكلمة، اجتمعوا ضده في سابقة يقال إنها الأولى في تاريخ هذا الفن الرفيع من فنون المعارضة السياسية في دول تلتزم في دساتيرها وقوانينها مبدأ حرية التعبير.
عندما نتابع الرئيس الأمريكي، نتابع حركته وأسلوبه في حكم الناس ومنظومة مبادئه وأولوياته في الحياة، نتأكد من أن أهم دوافعه على الإطلاق هي تضخيم مظاهر القوة كأداة لفرض درجة أو أخرى من الهيمنة على «الزبون» أو العميل أو المنافس أو الضحية أو المواطن أو حتى شريك العمل. أشفقت، أو قل أشفقت أنا وغيري، على هؤلاء الشركاء. أشفقنا بالتأكيد على آخرهم وكان رئيسة وزراء اليابان، السيدة ضعيفة البنيان خفيضة الصوت يابانية السلوك والثقافة والآداب، في مواجهة رجل في هيئة عملاق يقبض على يدها بقبضة حديدية ويهزها بعنف ويجذبها نحوه غير مبال بأنوثتها، ليذكرني بما فعله قبل أسبوعين مع شريك آخر هو جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا خلال انعقاد قمة السبع.
هناك في سيؤول وقع اللقاء الذي انتظره الجميع، وأقصد بالجميع كل العالم، هو اللقاء بين رئيسي الدولتين الأكبر في عالمنا المعاصر، الولايات المتحدة والصين الشعبية. لم يحاول الرئيس في بداية اللقاء استخدام العنف مع اليد الصينية التي امتدت لتصافح اليد الأمريكية التي كانت ممدودة فعلاً في انتظاره. رأينا أيضاً عينين صينيتين تصبان في العينين الأمريكيتين فيضاً من الإرادة يعكس موقفاً مسبقاً معداً بثقة وصلابة. لم يظهر في اللقاء أن طرفاً يحاول فرض إرادته على الآخر. كانت مساومة دبلوماسية تقليدية فرضها الرئيس الصيني. جاء الأمريكي يحمل تراجعاً عن قرار فرض نسبة عالية من التعريفات الجمركية على واردات بلاده من المنتجات الصينية، وجاء الصيني يحمل إلى المزارعين الأمريكيين بشرى عودة الصين مؤقتاً عن قرار وقف استيراد فول الصويا من أمريكا.
يذهب الرأي الغالب إلى مثل رأيي الشخصي وهو أن أمريكا خرجت بالتأكيد الطرف الخاسر في أول مواجهة كبرى بين الدولتين الأكبر والأقوى على الساحة الدولية. اتضح لنا ولكثير من المتابعين أن الصين لعبت بمهارة أوراقها التي استعدت بها لمواجهة عظمى اختار ترامب بنفسه زمانها ومكانها، اختار لها أن تأتي في مرحلة هي الأسوأ في مراحل تطور شعبيته داخل بلاده، وأن تجري في منطقة هي الأهم على الإطلاق لكلا الطرفين ولمستقبل العلاقة بينهما.
أتصور أن الرئيس ترامب ذهب إلى قمة الآبيك متمنياً لو تمكن من أن يحتفظ لأمريكا بموقع الدولة الأعظم و«المهيمنة» تنفيذاً لشعاره الذي جاء به إلى الحكم وهو «استعادة عظمة أمريكا»، وفي ظني أن هذا الأمل أو الهدف قد خاب.
في ظني أيضاً أن ترامب وجماعته في البيت الأبيض وخارجه سوف يعملون بأقصى جهد وإمكانيات لمنع حدوث هذا الاحتمال، يمنعونه بغرس وقيعة بعد أخرى بين الصين وروسيا. غير خاف على كل حال كثير من تحليلات علماء العلاقات الدولية الذين ينتظرون الظروف تتغير فتسمح بأن تلعب أمريكا دور الموازن بين القطبين الآخرين، أسوة بموقع «القطب الموازن» الذي احتلته ومارسته بجدارة الإمبراطورية البريطانية في ظل نظام توازن القوى في القرن التاسع عشر، النظام الأقرب شكلاً من نظام الأقطاب المتعددة.
هل لنا نصيب معقول في هذا المستقبل؟ أقصد هل يتعين علينا الاستعداد للعب أدوار على مقاس أحجامنا وإمكاناتنا أم نعيد الكرة فننتظر لنقبل ما يفرض علينا؟.