عبدالله السويجي

لا نختلف كثيراً في أننا نعيش في عصر ثورة التكنولوجيا والتقنيات والذكاء الاصطناعي، عصر الشبكة العالمية للمعلومات، ما يعني أن العالم كله في متناول أيدينا، أي معلومة في أي مصدر يمكن الحصول عليها بسهولة، الاطلاع لم يعد مشكلة، وتكوين المعرفة لم يعد صعباً، والقراءة ليست للمترفين، كما كانت في السابق، حيث الكتاب كان يتطلّب ميزانية، الآن، تستطيع أن تضغط على زر ليكون كل شيء في متناول يديك.
ليس هذا فحسب، هناك برامج تصميم ورسم وتخطيط وتنقيح وتشكيل، هذا يعني أن الإنسان لم يعد مطالباً ببذل الكثير من الجهد المادي ليصل إلى مبتغاه، وهذا يعني، أنه، ومن المفترض، أن الإنسان، أصبح أكثر رقةً وأدباً ورومانسية وعاطفة، فهل هذا الاستنتاج صحيح؟ أم أن الإنسان بات متأثّراً بالرقمنة والمكننة وتحوّل إلى ما يشبه الإنسان الآلي (الروبوت). هل تحوّل إلى كائن علمي معلوماتي يتعامل مع الماديات، وابتعد عن العاطفة الشخصية والأبوية ولم يعد حنوناً كإنسان ما قبل ثورة تكنولوجيا المعلومات؟
هي أسئلة وتساؤلات يردّدها الأهل والأسر بكثرة، نتيجة الجفاف العاطفي الذي أُصيبت به الأجيال الصاعدة، وهذا ليس انعكاساً للجفاف العاطفي الذي يعانيه الكبار كالأزواج مثلاً، فهذا موضوع منفصل إلى حدٍ ما، رغم أنه متّصل بطريقة أو بأخرى، فالأجيال تتأثر ببعضها، والإنسان ابن بيئته. يتساءل أولياء الأمور: على الرغم من أننا نوفّر لأبنائنا كل ما يريدون وزيادة، فإنهم غير شاكرين، ويطلبون المزيد، فإذا نشب نقاش بيننا، تحوّل هذا الولد إلى مخلوق ناقم غير شكور غير ممتن، بل ويقول بأن أهله لا يوفّرون له نصف ما يوفّره الآباء الآخرون... وفي الواقع، فإن جميع الأبناء، لاسيّما في المدارس الخاصّة، يتمتعون بمستوى اجتماعي متقارب، وهذا الشاب الصغير المتذمّر لديه صورة عجيبة، وتوقّعات أكثر عجباً من أهله، فإذا ما حال بينه وبين رغباته أمر ما، اشتعل غضباً، والحوار الذي يدور بين الطرفين حوار ناشف جاف يفتقر للعاطفة والأدب والعرفان والشكر، وباختصار، هنالك جيل غير شكور، لا يقدّر نعمة ما هو فيه.
أنا شخصياً، وبعد استفسارات عديدة عن المناهج واللغة وأنماط السلوك بين الطلبة، وبعد الاستماع إلى شرائح متباينة من الأهل، أستطيع القول إن المناهج وما حولها، واللغة وأحمالها، والثقافة ومنابعها، تلعب دوراً في تحويل الطلاب إلى مخلوقات عصبية حانقة. فاللغة التي يدرسون بها، ويتواصلون مع أقرانهم، ومدرسيهم، ليست اللغة العربية، وبالتالي هي لغة توصيل للمعلومة، والمناهج تفتقر للمواد التربوية المجتمعية الإنسانيّة والأخلاقية، لا توجد هناك مواد للتواصل الإنساني، وسمعت أن هذه المواد موجودة في المدارس النموذجية فقط، وقد أُضيفت مؤخراً، أي في السنوات الأخيرة، وبالتالي، لا نستطيع ذكر نماذج. بينما نماذج المدارس الخاصة تتحرك بيننا ككائنات غريبة، المشكلة ليست في اللغة، ولكن في ملحقاتها، إنهم يشاهدون أفلاماً مختلفة، ويستمعون إلى أغانٍ مختلفة، ويتواصلون بلغة فيها من (الدفاشة) الكثير.
ولو انتقلنا إلى المنزل، سنرى أن هذا المخلوق المدلَّل يعامل معاملة ملكية، رغباته أوامر، في الطعام والرحلات والسفر والذهاب إلى السينما أو الملاعب والنوادي الرياضية وغيرها، إضافة إلى الأجهزة الإلكترونية الحديثة، والألعاب الأحدث، فيواصل ما بدأه في المدرسة، ويبقى على اتصال مع أقرانه من خلال (بلاي ستيشن).
هل يتحمّل أولياء الأمور هذه المخرجات؟ وكأننا نقول، هل تتحمل الدولة هذه المخرجات؟ في الواقع، لا الدولة ولا الأهل يتحمّلون هذه المخلوقات الجافة، إن من يتحمّل هو المدرسة، التي يقضي فيها الطالب ساعات أكثر مما يقضيه في البيت، وهم المربّون والمعلّمون، نشأ التلميذ على مناهجهم ابتداء من الصف الأول حتى الثانوية العامة، والنتيجة أنه يتحدث الإنجليزية أو الإنجليزية الأمريكية بطلاقة، لكنه حمل معها ثقافة الجيل نفسه الذي يدرس في نيويورك أو لندن، ذاك الجيل اللامبالي، الذي يعتقد أنه يستطيع القيام بأي عمل، طبعاً باستثناء أعمال المنزل، وبالتالي، تورّمت لديه الأنا.
هل هنالك حل لهذه المعضلة؟ هنالك حل تشارك فيه الأسرة مع المدرسة من خلال التركيز على الجانب التربوي وليس التحصيل العلمي فقط، الجانب الذي يعلّم الطالب السلوك الحضاري، وأساليب المخاطبة الراقية، وتعلمه الامتنان والاعتراف بالجميل والشكر. أعلم أن التنشئة العاطفية لأبنائنا تشوبها بعض المحاذير ولغة العيب وغيرها، ففي الوقت الذي يجب أن يرى النموذج في بيته، أي العلاقة بين الأب والأم، وبين ولي الأمر والأبناء، فإنه يبحث عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، يفعل ذلك في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الحنان.