نعيش في زمن تتبدل فيه الأخبار والوظائف والأسعار، أسرع مما نستوعب، في هذا الضجيج يطل خوف هادئ لكنه منهِك، ماذا سيحدث غداً؟ ليس الخوف هنا حدثاً واقعاً، بل تصوراً متضخماً يتغذى من فراغ المعرفة، نحمّل عقولنا مهمة التنبؤ بما لا يُتنبأ به، فيتحول الليل إلى شاشة مفتوحة على أسئلة بلا إجابات، ويصير الجسد في حالة استنفار قبل وقوع أي شيء.

المجهول يربك لأننا نخلطه بالرعب، نرى احتمالاً واحداً ونسميه المستقبل، وننسى أن الغد سلسلة أبواب تفتح بالتتابع لا دفعة واحدة، المشكلة ليست في الحذر، بل في المقاييس التي نقيس بها الغد، نريد يقيناً شاملاً وخطة بلا ثغرات وقراراً مثالياً لا يترك مكاناً للخطأ، وحين لا نجد ذلك، نقرأ ترددنا باعتباره فشلاً ونحمّل أنفسنا ما لا طاقة لها به، فنزيد القلق قلقاً. التعامل الناضج يبدأ بإعادة تعريف السيطرة، ما نستطيع فعله اليوم أهم مما نتخيل حدوثه غداً، خطوة صغيرة تسبق فكرة كبيرة، جرعة أخبار كافية لا مفرطة، سؤال واضح للحصول على معلومات دقيقة بدل اجترار الظنون، ترتيب التزاماتنا القريبة على ورقة قصيرة ترى وتنجز، حين يتحول «ماذا لو» إلى «إذا حدث كذا فسأفعل كذا» ينكمش الخوف لأن الاحتمال صار خطة قابلة للتنفيذ لا شبحاً يهاجمنا في الرأس.

إن تسمية المخاوف بصوت مسموع تسقط نصف سطوتها، الاعتراف لشريك حياة، أو لصديق، أو أهل، «أخشى تقلبات العمل» ليس ضعفاً، بل وقاية من سوء الفهم وبناء لشبكة سند قبل وقوع العثرات، والشيء نفسه في بيئة العمل، طلب وضوح حول المسارات، أو تطوير مهارة تزيدنا قوة في عملنا، يخلق أماناً حقيقياً بدل أمان متخيل.

المستقبل سيأتي على أي حال، والفرق بين ليلة مستنزفة، وأخرى هادئة هو ميزان تعيد وضعه كل صباح، ما الذي بوسعي فعله اليوم؟ ممن أطلب المعلومة؟ أين أحتاج إلى دعم؟ حين يجاب عن هذه الأسئلة البسيطة، يستعيد اليوم دفئه، ويتحول المجهول من خصم طاغ إلى مساحة قابلة للعيش جملة جملة، وفي هذا الهدوء تظهر الشجاعة اللازمة لفتح الباب التالي.