د.ناجي صادق شراب

قدّمت دولة الإمارات، نموذجاً متعدد الأبعاد، فالنجاح والإنجاز بالنسبة لها ليس قاصراً فقط على مجال واحد، وليس سببه كما يعتقد البعض الثروة على أهميتها. بل يكمن العامل الرئيسي في كرامة الإنسان.
هذه الفلسفة التي تبنتها قيادة دولة الإمارات، بدءاً من المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أدرك أن من يبني ويعمر هو الإنسان. وأن فلسفة الحكم الرشيد ليست العلاقة بين حاكم ومحكوم، بقدر ما هي كل حاكم محكوم وكل محكوم حاكم، وأن يجسد الحاكم كل أفراد شعبه، فالكل يرى نفسه فيه. فالحاكم هنا هو تجسيد ليس لشخصه، بل تجسيد لهوية شعبه وتطلعاتهم الوطنية. هذه المعادلة هي التي تقف وراء نجاح الدولة ووحدتها وتجاوزها للتحديات.
والأهم في هذه العلاقة أن الحاكم لا تكتمل قيادته وحكمه، إلا بتجسيد هذه الروح الوطنية، وخلاصتها في النهاية النجاح للحاكم والمواطن، ومخرجاتها الحاكم الرشيد، والمواطن المبدع المنجز في كافة المجالات العلمية والاقتصادية. هذه العلاقة هي التي تجسدها إنسانية دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة، هي التي تفسر لنا استمرار مسيرة الاتحاد بقوة على مدار 54 عاماً، لتصبح اليوم الدولة الإنسانية التي تقدّم نموذجاً جديداً للعلاقات الدولية والنظام الدولي.
وتعمل الإمارات بتبنيها النهج الإنساني، على بناء نظام دولي، تحكمه الدوافع الإنسانية المشتركة الواحدة.
وفي هذا السياق ترتكز سياسة الدولة كما جاء في كلمتها خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة، على أسس ومبادئ أهمها:
العمل على تخفيض الأزمات واحتوائها، وتسخير موارد الدولة لتجنب الأزمات، وإعطاء الأولوية لمصالح الشعوب، ودعم الشرعية الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، والأولوية لكرامة الإنسان، والعمل على حل النزاعات بشكل مستدام، وتبني قيم التسامح والسلام والأمن، والعمل على بناء نظام دولي فاعل وعادل.
إن دولة الإنسانية هذه بدأت مع اليوم الأول لتأسيسها عام 1971، وسياسة الحكمة والتوازن والاعتدال التي تبناها القائد المؤسس الشيخ زايد طيب الله ثراه، الذي أدرك أن أساس بناء الدولة ونجاحها يتمثل في ركنين أساسيين.
الأول: هو الاستثمار في الإنسان، وهو أعلى درجات الاستثمار، لضمان المستقبل، وبناء المواطن المسلح بقيم الإنسانية والتسامح والإيجابية والسلام، وهو ما يعني الإنسان المنفتح على نفسه وعلى غيره.
والثاني: هو أن السياسة الإنسانية لا تقتصر على الداخل، بل إن فعاليتها ومصداقيتها، تكون بتبني قيم الإنسانية المشتركة على مستوى كل الدول، وهدفها خلق الإنسان العالمي الداعم لإنسانيته وكرامته، والتي من شأنها أن تنعكس على الاستقرار العالمي. ولعل من أبرز مظاهر إنسانية الدولة وجود أكثر من مئتي جنسية يعملون ويعيشون معاً في بيئة إنسانية جامعة، وهو ما انعكس في حبهم وولائهم للدولة وحرصهم على البقاء والعمل فيها.
إن سياسة الإنسانية، سياسة ثابتة وراسخة للدولة منذ تأسيسها، وهي سياسة يتم ترجمتها على الأرض يومياً من خلال تقديم أروع صور الإنسانية.
ومن هذه المبادرات دور الإمارات في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، والمساهمة في حل الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان، ولعل نموذج «الفارس الشهم -3» لمساعدة أهالي غزه التي وصلت لأكثر من مليار ونصف المليار دولار، هي التي دعمت صمود مليونين ونصف المليون إنسان، إضافة إلى استقبال الأطفال الجرحى وأسرهم.
الإمارات دولة سلام وليست دولة حرب أو قوة من أجل الحرب، وتسعى لمعالجة كل الأزمات والحروب من خلال الحوار والتعاون والدبلوماسية. إن دولة الإمارات هي «دولة وثيقة الأخوة الإنسانية» الخالدة من أجل السلام، وهي دولة تقاس مكانتها ودورها بحجم مساعداتها ومبادراتها الإنسانية.
..هذه هي الإمارات في عيدها الرابع والخمسين.. وهذا سر نجاحها.

[email protected]