عبد الإله بلقزيز
للتّبعيّة مفهوم ثابت في النظرية التي ارتبطت بدراستها، على نحو من التخصّص في الدرس، وحملت اسم نظريّة التّبعيّة، والمفهوم هذا هو الذي استمرّ كبار منظّريها (أندريه غوندر فرانك، راوول بربيش، سمير أمين...) يشدّدون عليه منذ ستينات القرن الماضي من غير كبير تعديل تقريباً: إنها تلك العلاقة البنيويّة التي تشُد أطرافاً وهوامش رأسماليّة إلى ميتروبولات أو مراكز رأسماليّة أكبر فتمنعها من التّحرر من أرباقها، هي علاقة خضوع للأطراف وعلاقة سيطرة للمراكز يعاد إنتاجُها باستمرار.
لا سبيل، في هذه النّظريّة، إلى كسر هذه العلاقة الثّابتة والمتجدّدة من داخل النّظام عيِه الذي تقوم فيه وتتجدّد ويُعاد إنتاجُها به (أي النّظام الرّأسماليّ)، بل الإمكان الوحيد لذلك الكسر هو الخروج من نطاق ذلك النظام كليّة. التّبعيّة، بهذا المعنى، حالة أشبه ما تكون بالحلقة المفرَغة التي تدور فيها البلدان الخاضعة لسطوة الرّأسماليّات الكبرى واقتصاداتها، وبلدان الجنوب (المستعمَرة سابقاً)، على نحو خاصّ أكثرها عرضة للانسجان في تلك الحلقة وفي دورتها الرّتيبة، وتحديداً في سياق اندفاعها في طريق تنمية على المنوال الذي ورثته عن الحقبة الاستعماريّة وتشرّبتْه نخبُها السياسية والاقتصادية المتكوّنة في الجامعات والمعاهد الغربيّة.
يفسّر هذا، في جملة أمور أخرى، لماذا كان موطنُ نظريّة التّبعيّة بلدان الجنوب، ولماذا منظّروها والباحثون المتشبّعون بها منتمين، في الأغلب منهم، إلى أمريكا اللاتينية مع بعض قليل إلى إفريقيا وآسيا، فلقد كانت بلدان الجنوب، إجمالاً، ضحية تلك التّبعيّة للمراكز الميتروبولية مثلما كانت ضحيّة، قبل ذلك، لعمليّة كولونياليّة مديدة من أحشائها خرجت تلك التّبعيّة إلى الوجود. أما لماذا كان أكثر الإنتاج الفكري، من داخل نظرية التبعيّة، صادراً عن دارسين منتمين إلى مجتمعات أمريكا اللاتينيّة، أو دائراً على أحوال بنيات الاجتماع الاقتصاديّ في بلدان أمريكا اللاتينيّة فلأن هذه البلدان كانت أسبق بلدان العالم إلى الوقوع في قبضة الاستعمار (الإسباني، البرتغالي، الأمريكي) وأسبقَها إلى استقبال حركة الرسملة في بناها الاقتصادية، مع ما ولّده ذلك فيها من اختلالات، ثمّ لأنها ظلّت تمثّل - بعد نيلها استقلالاتها السياسية عقِب حروب التّحرّر الوطنيّ - المختبر الرّأسماليّ الأوّلي والأساس لتجريب المنوال الاقتصادي للتّبعيّة ثمّ تصييره، لاحقاً، نظاماً بعد تبيّن نجاحه في إعاقة تحرُّر تلك البلدان والسّير، عكساً، في طريق من التّطوّر الاقتصادي والتّنمويّ مستقل عن المراكز الرّأسمالية الاحتكارية. على أن تشابُه الحال بين عوالم الجنوب الأخرى وبلدان أمريكا اللاتينيّة، على صعيد بنى الاقتصاد والإنتاج، وخضوعها لآليات الاستتباع عينها مكّن من صناعة أسباب النّفوذ والتأثير لنظريّة التّبعيّة في معظم بلدان الجنوب.
لا تكمن مشكلة بلدان الجنوب، لدى روّاد نظرية التّبعيّة، في أن انتقالها إلى الرأسماليّة أمر مستحيل أو ممتنع أو حتى متعذّر، إذ هم يسلّمون بأن تلك البلدان دخلت طورها الرّأسمالي منذ الحقبة الكولونياليّة، التي خضعت لها طويلاً، وما اقترن بها من سياسات هادفة إلى رسملة لاقتصادات تلك البلدان. إلى ذلك لا ينظرون إلى رأسماليّتها بوصفها متأخّرة أو متخلّفة عن رأسماليّة المراكز لأن مثل هذا القول يرتّب نتيجةً، لا يقبلون بها، هي أنها رأسماليّة قابلة للصّيرورة، بالتّدريج.
المشكلة، في هذه النّظريّة، تكمن في أن هذه البلدان رأسماليّة أو قُل، إنّها تكمن في رأسماليّتها القائمة على قواعد التّبعيّة التي تمنعها من أن تكون رأسماليّة وطنيّة ومستقلّة. هذه واحدة، الثّانيّة تتجلّى في أنها رأسماليّة طرْفيّة محكومة بقانون التّبادل اللاّمتكافئ (بين المركز والأطراف) وبقسمة للعمل والإنتاج لا تُفسح مجالاً لبلدان الجنوب واقتصاداتها بتطوير اقتصاد صناعيّ إنتاجيّ متطوّر، لكي تظلّ رازحة في أرباق التّبعيّة.
هكذا تنتهي نظريّة التّبعيّة إلى نفي أيِّ إمكان لشقّ بلدان الرّأسماليّة الطَّرْفيّة طريقاً نحو تطوّر اقتصاديّ متقدّمٍ ومستقلّ من داخل نظام التّبعيّة الذي ترزح في أغلاله، إذ هو نظامٌ لا يقترح عليها من أفق جديد عدا ما هي فيه من تجدد مستمرّ لعلاقات التّبعيّة تلك. وعليه ليس من مخرج لها من هذه الأزمة البنيويّة إلا بالخروج، جملة، من نطاق نظام الرّأسماليّة الهامشيّة (أو رأسماليّة الهامش).