عبدالله السويجي
لماذا يبني الإنسان المتاحف؟ هل ليجمع فيها ماضيه فيمنحه قيمة زمنية بين الحضارات والشعوب؟ أم أن للمتحف دوراً في تقريب الثقافات والمعارف الإنسانية؟ ثم من قال إن المتاحف تجمع الماضي فقط؟ إنها تتحدث عن المستقبل، والدليل، متحف المستقبل في دبي. ثم إن الماضي كزمن هو الحاضر، ومن جهة أخرى، إن أمهر الشعوب هي التي تكون عراقة حاضرها كسمو ماضيها، وكلّنا يعلم الفجوة التاريخية التي أصابت الحضارات، حتى أن المرء يتساءل أحياناً، بشأن شعوب كثيرة، هل إنسانهم الحاضر هو من نسل إنسانهم الماضي أو التاريخي؟ وهو تساؤل مشروع علمياً من باب وصل الحضارات واستدامتها والبناء عليها.
ولا نبالغ ولا نلوي عنق التاريخ حين نتحدث عن حضارة الإمارات التي تزيد على آلاف السنين، والاكتشافات الأثرية تثبت ذلك، والأهم من الاكتشافات هو الإنسان الحضاري الذي يعيش حالياً على جغرافيا تُسمّى دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى أنه بات بالإمكان القول، إن إنسان اليوم هو سليل إنسان الأمس، ولولا ذلك لما استطاع التًّأقلم مع مبادئ التسامح ومعايير السعادة وإدارتها، حتى أصبحت أسلوب حياة ونمط تفكير، وهو أمر ليس سهلاً على الإطلاق.
من هذا المنطلق، واستناداً إلى هذا الإرث، تنظم الإمارات «مؤتمر آيكوم دبي 2025»، وهو أكبر تجمّع عالمي لخبراء المتاحف والثقافة، وبمشاركة نحو 4500 متخصص من حول العالم، وهناك معلومة مهمة تقول إن انطلاق المؤتمر العام ال 27 للمجلس الدولي للمتاحف في دبي، يحدث لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، ويُعقد تحت شعار «مستقبل المتاحف في مجتمعات سريعة التغيير»، بهدف تبادل الرؤى حول دور المتاحف في مواجهة التحدّيات الديموغرافية والتكنولوجية والبيئية. ولو نظرنا في محاور المؤتمر التي تشمل: التراث غير المادي، وقوة الشباب، والتقنيات الحديثة، لوجدنا أن المؤتمر يخرج من الماضي نحو تجليات الحاضر وآفاق المستقبل، فالحديث عن الهوية الثقافية، وتمكين جيل الشباب، ودمج الذكاء الاصطناعي والابتكار في تجربة الزائر، يجعل من المؤتمر شعلة حديثة لإضاءة المستقبل وليس لتمجيد الماضي.
ولا بأس لو قدّمنا في هذا السّياق، نبذة عن المتاحف في دولة الإمارات العربية المتحدة. إذ يوجد في الإمارات، حسب المعلومات المتاحة، 34 متحفاً رسمياً، تضم أكثر من 15 ألف قطعة أثرية، وتتوزع على مختلف إمارات الدولة، فتضم العاصمة أبوظبي أكبر عدد من المتاحف أبرزها: متحف اللوفر أبوظبي، متحف قصر العين، متحف زايد الوطني، متحف العين الوطني. وتحتضن دبي متاحف متنوعة تجمع بين التراث والحداثة، أبرزها، متحف دبي في حصن الفهيدي، ومتحف الاتحاد، ومتحف الشندغة، ومتحف المستقبل، ويركّز على الابتكار والتكنولوجيا.
أما إمارة الشارقة والتي تُعرف أيضاً ب «عاصمة الثقافة»، فتضم شبكة متاحف مميزة أبرزها: متحف الشارقة للحضارة الإسلامية، متحف الشارقة للفنون، متحف المحطة، متحف الشارقة البحري، وهناك متاحف في إمارات أخرى مثل: متحف رأس الخيمة الوطني، متحف عجمان، متحف أم القيوين، متحف الفجيرة، وتحقّق هذه المتاحف المنتشرة على أرض الإمارات أكثر من 3.5 مليون زيارة سنوياً. أما على الصعيد العالمي فتقول الأرقام إن عدد المتاحف حول العالم بلغ نحو 93 ألف متحف، تتصدرها الولايات المتحدة ب 33 ألف متحف.
ليست المرة الأولى التي تستضيف فيها إمارة دبي فعالية ضخمة، بل الفعاليات العالمية أصبحت من اختصاص دبي، قدرة هائلة على التنظيم وإدارة الفعالية وتوفير اللوجستيات، والترويج والمتابعة الإعلامية والفكرة لما بعد انتهاء الفعالية. وفي الواقع، فإن فعالية مؤتمر ضخم يُعنى بثقافة المتاحف أو لنقل صناعة المتاحف، هو إضافة، ليس لرصيد دبي فقط، وإنما لرصيد دولة الإمارات العربية المتحدة، من النجاحات، لأن تعميم النجاحات استراتيجية تستند إلى استراتيجية دولة الاتحاد التي تجمع ولا تفرّق، تبني ولا تهدم، استراتيجية تتطلع إلى العالمية، من خلال المؤتمرات والمعارض والمتاحف، وما متحف اللوفر، بصبغته العالمية، ومتحف المستقبل بفكرته الابتكارية ومعرض إكسبو بروحه الدولية، سوى نماذج للاستدلال على عالمية التوجّه، ليس للشهرة، ولكن للمشاركة في الإضافة إلى المنجز الإنساني الثقافي والفني والمعرفي والاقتصادي، ولتترك بصمة يتذكّرها التاريخ بشموخ، ويتوقّف عنها باهتمام وتأمّل.
فحين تتحوّل دولة فتيّة، كدولة الإمارات العربية المتحدة، إلى نموذج، من بين كل دول العالم المتقدّمة، علينا البحث عن السرّ، ولن نتعب كثيراً في بحثنا، إنه الإخلاص في تغليب المصلحة العليا على المصلحة الضّيقة، وإنه التفكير بالمستقبل، وإنه إدارة الزمن بشكل صحيح، وإدارة الثقافة، والمجاميع البشرية. وأستطيع القول، إن دولة الإمارات العربية المتحدة، تحوّلت إلى متحف عالمي، وليست كل المتاحف للتحنيط، هنالك متاحف للتوهّج البشري، إذن، أصبحت متحفاً عالمياً للتعايش البشري، حيث الإنسانية تلتقي على ضفاف نهر التسامح، وتبني حضارتها على وقع الأفكار الحديثة التي تحترم الآخر بصدق.