خالد راشد الزيودي*

في طفولتنا، كنّا نتابع بشغف مسلسل «هزيم الرعد» ونظنّ أنّ تلك الحروب التي تدور بين الكواكب ليست سوى خيال جامح لا يمتّ بصلة إلى عالمنا الحقيقي. مجرّات تتصارع، وتكنولوجيا تتجاوز قدرات البشر، وقادةٌ يخوضون معارك فوق حدود الأرض. كنّا نضحك على الفكرة، ونعتبرها بعيدة آلاف السنوات من مستقبل البشرية. لكن ما لم نكن ندركه آنذاك هو أن الخيال الذي تمنّينا الهرب إليه صار اليوم شريكاً صامتاً في صناعة واقع جديد، واقع يتجاوز حدود الأرض التي ألفناها، ويمتد إلى فضاء أصبح جزءاً من معادلات القوة الدولية وموازين الأمن العالمي.
في هذا الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي والردع الاستراتيجي، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريح يحمل في طيّاته بوادر مرحلة مختلفة تماماً عمّا اعتدناه. ففي كلمة ألقاها في مدينة تولوز، مركز الصناعات الفضائية والطيران الفرنسي، أكد أنّ «الصراعات الحديثة تدور في الفضاء»، وأنّ «حرب الغد ستبدأ من هناك». هذا التصريح ليس مجرد تحليل سياسي أو قراءة مستقبلية، بل هو اعتراف رسمي بأن الفضاء لم يعد مجرّد امتداد طبيعي لعلوم الاتصالات والملاحة، بل بدأ يتحول إلى حلبة صراع مكشوفة تراهن عليها القوى الكبرى لتعزيز نفوذها ومصالحها، وإعادة صياغة توازنات القوة على المستوى العالمي.
الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي شدد على أنّ «الفضاء لم يعد ملاذاً آمناً»، قدّم مبرراته مدعومة بسلسلة من الأحداث التي لم تعد سراً في المجتمع الاستخباراتي العالمي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، بدأت موسكو –وفق تقديرات فرنسية– في تنفيذ نشاطات «تجسس» في الفضاء، مستهدِفة الأقمار الصناعية الفرنسية، ومسببة حالات واسعة من التشويش على أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS)، فضلاً عن هجمات إلكترونية طالت بنى تحتية تعتمد عليها دولٌ عدة في إدارة شبكات الاتصالات والطاقة والملاحة الجوية، إضافة إلى تهديداتٍ تقنية متزايدة تعقّد بيئة الأمن الفضائي.
الأخطر من ذلك ما وصفه ماكرون بالتهديد «الصادم» المتمثل في إمكانية نشر أسلحة نووية في المدار. هذه الفكرة وحدها –حتى من دون تفاصيل رسمية– كافية لتذكير العالم بأنّ سباق التسلح الذي عرفته البشرية في القرن الماضي لم ينتهِ، بل غيّر اتجاهه فقط. فالقوة التي كانت تقاس بعدد الصواريخ البالستية أو الغواصات النووية أو حاملات الطائرات، أصبحت الآن تتعلق بمدى السيطرة على المدار القريب من الأرض، وعلى الشركات القادرة على نشر أقمار صناعية صغيرة بالآلاف، وعلى القدرة على تعطيل شبكات الخصم خلال ثوانٍ من دون طلقة واحدة.
إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تخصيص 4.2 مليار يورو إضافية لتعزيز النشاطات العسكرية الفضائية حتى عام 2030 يعكس قناعة راسخة لدى باريس بأن المستقبل الأمني لن يُحسم في ميادين القتال التقليدية، بل فوق رؤوسنا في فضاء يعجّ بأجهزة استشعار، وأقمار مراقبة، وأنظمة دفاعية قادرة على تعطيل الاتصالات أو شلّ البنى التحتية الحيوية. وهذا التوجّه ليس فرنسياً فقط، فالقوى الكبرى جميعها –من الولايات المتحدة إلى الصين مروراً بروسيا والهند– باتت تنظر إلى الفضاء بوصفه «العقدة الحساسة» التي يمكن أن ترجّح كفّة أي صراع دولي.
غير أنّ ما يجب الوقوف عنده هو أن الفضاء، رغم اتساعه، ليس ساحة بلا قوانين. المجتمع الدولي يدرك أنّ أي تصعيد في المدار قد تكون له تبعات كارثية على الجميع. تفجير قمر صناعي واحد يمكن أن يخلق آلاف الشظايا التي تسبّب سلسلة تدمير لا تنتهي، وتهدد سلامة المحطات الفضائية وروّاد الفضاء والأقمار الحيوية التي يعتمد عليها العالم في كل شيء تقريباً: من البنوك إلى الطائرات إلى الملاحة البحرية، بل وحتى أنظمة الطوارئ الحيوية والخدمات الرقمية الحساسة.
أمام هذا الواقع يصبح من الضروري التفكير في صياغة ميثاق عالمي جديد يضبط السلوك العسكري في الفضاء، ويضع حدوداً واضحة لا يجوز تجاوزها، تماماً كما فعلت البشرية في تنظيم استخدام الأسلحة الكيميائية والنووية على الأرض. فالتكنولوجيا تتقدّم، لكنها تحتاج إلى حكمة سياسية تعادل سرعتها، وإلا فإنّ سباق الفضاء قد يتحول من فرصة للتطور العلمي إلى مصدر تهديد شامل، يطال الاستقرار الدولي ويضغط على منظومات الأمن الإقليمي.
لقد عاد الخيال الذي شاهدناه في طفولتنا، لكن هذه المرة بصورة أكثر واقعية وأقل براءة. ما يحدث اليوم في المدار ليس قصة رسوم متحركة، بل جزء من صراع استراتيجي يعيد رسم ملامح القرن الحادي والعشرين. وحين نرى قادة العالم يتحدثون عن «حرب تبدأ من الفضاء»، ندرك تماماً أنّ حدود الأمن لم تعد تنتهي عند السواحل أو الجبال أو الحدود المعروفة، بل تجاوزت كل ذلك نحو سماءٍ كانت تبدو يوماً بعيدة... فإذا بها اليوم أقرب من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على تغيير معادلات القوة الدولية.

[email protected]

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر