حسام ميرو

في القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقادة آسيا، في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، لم تكن الملفات الموضوعة على الطاولة تتعلق فقط بالأمن والإرهاب والتجارة الحرة، وإنما بشكل رئيسي، كانت محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ الدولي على أسس مختلفة، انطلاقاً من الصراع على الموارد النادرة التي تشكل عصب صناعات التكنولوجيا الحديثة، من الطائرات المسيّرة إلى السيارات الكهربائية والرقائق الدقيقة الموجودة في كل المنتجات الرقمية.
وإذا كان النفط في القرن الماضي محركاً للعديد من الحروب حول العالم، وأحد أسلحتها الأساسية، فإن عالم القرن الواحد والعشرين هو قرن حروب الندرة، فمن يمتلك المعادن النادرة يمتلك بين يديه مفاتيح المستقبل، ما يجعل من الصراع على السيطرة على الموارد النادرة أساس الحروب والصراعات الكبرى الدائرة اليوم، ومن ورائها شركات التكنولوجيا العملاقة، التي باتت أصولها وأسهمها تتجاوز في قيمتها الناتج القومي لدول بأسرها.
تشير معظم التقديرات حول العناصر النادرة التي تتألف من 17 عنصراً، مثل الكوبالت والليثيوم والنيوديميوم، إلى أنها أصبحت تشكّل محور عدد من التحالفات لكل من بكين وواشنطن، اللتين تسيطر شركاتهما على معظم السوق العالمية للتكنولوجيا الرقمية، وللصناعات الحديثة، مع اختلال في ميزان امتلاك وإنتاج الموارد النادرة لمصلحة الصين، التي تنتج، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، عام 2024، نحو 240 ألف طن سنوياً من هذه المعادن، أي ما يشكل حوالي 60% من الإنتاج العالمي، كما تستحوذ على 85% من عمليات المعالجة الصناعية.
في المقابل، فإن إنتاج الولايات المتحدة لا يزيد على 15 ألف طن سنوياً، وبالتالي فإنها تعتمد في حوالي 90% من صناعاتها الدفاعية على معادن معالجة في الصين، ما تعدّه واشنطن خطراً استراتيجياً على صناعاتها العسكرية وأمنها القومي برمّته. ولمحاولة التقليل من هذا الاعتماد، أطلقت واشنطن في عام 2022 برنامج «المبادرة الدولية لأمن المعادن»، بهدف تأمين مصادر بديلة من خلال الشراكة مع أستراليا وكندا واليابان، وتبحث عن توسيع هذه الشبكة في إفريقيا وآسيا الوسطى.
القمة التي جمعت الرئيس ترامب بقادة خمس دول، هي أوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وكازخستان، حفلت بتعقيدات عديدة، أهمها ما تمارسه واشنطن من ضغوط لحيازة النصيب الأكبر من امتيازات التنقيب، الذي يصطدم بعلاقات قوية لهذه الدول مع روسيا، في ملف الطاقة، والاستثمارات الصينية ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، بالإضافة إلى مخاوف سياسية لدى هذه الدول من عدم القدرة على موازنة العلاقة بين ثلاثة عمالقة، هم بكين وواشنطن وموسكو.
تعاني واشنطن في صراعها مع بكين من معضلة جوهرية، تتمثل في ضعف علاقاتها مع دول آسيا الوسطى، قياساً إلى النفوذ القوي لبكين، فمنذ أكثر من عقد، أنشأت الصين بنية تحتية ضخمة تربطها بمعظم هذه الدول، كما عقدت اتفاقات طويلة الأمد مع دول إفريقية منتجة للمعادن النادرة، مثل الكونغو الديمقراطية (أكبر منتج للكوبالت في العالم)، وذلك لضمان إمدادات مستقرة من هذه المعادن، وفي العام السابق وحده، استثمرت الصين حوالي عشرة مليارات دولار في عدد من الدول الإفريقية لاستخراج المعادن النادرة.
بطبيعة الحال، ما بات يعرف بدبلوماسية إدارة الموارد، لا يشكل بديلاً عن الصراع، لكنه شكل مموّه له، من دون أن يكون هناك بالضرورة حروب تخاض بالسلاح والجبهات، وإنما من خلال العقود والصفقات واتفاقات الشراكة والتحالف بين الشركات الكبرى والنخب السياسية والعسكرية الحاكمة في آسيا الوسطى وإفريقيا، كما أن وراء هذا الأدوات الناعمة لكل من بكين وواشنطن، يكشف الواقع عن ما يمكن وصفه ب«الاستعمار الجديد» للموارد.
في إفريقيا وآسيا الوسطى لا تقتصر الاستثمارات الصينية والأمريكية على استخراج المعادن أو معالجتها فحسب، لكنها تمتد لتشمل بناء البنية التحتية، وتقديم قروض مشروطة، وفرض شروط استثمارية تجعل هذه الدول رهينة للقرار الخارجي، وهذا النموذج يشبه في جوهره ما عرفته الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر، عندما كانت تتحكم في المستعمرات عن طريق الموارد الطبيعية والشراكات الاقتصادية.

[email protected]