علي قباجة

تشنّ إسرائيل حرباً لا هوادة فيها في الضفة الغربية، وهي الأشدّ والأصعب على الفلسطينيين منذ عام 1967، إذ تأتي في سياق هجوم شامل على الكلّ الفلسطيني في كلّ أماكن وجوده، سواء داخل فلسطين التاريخية أو خارجها. والهدف الأكبر هو التضييق على أصحاب الأرض، والضغط بلا حدود عليهم لاقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم، تنفيذاً لأجنداتهم التاريخية وأحلامهم ب«يهودا والسامرة»، أي الضفة، وهي في صلب عقيدتهم، ويرون أن أساس دولتهم قائم عليها، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال التخلي عنها، مهما كانت الأثمان.
إجراءاتٌ لا حصر لها تمضي بها أشدّ حكومة متطرفة شهدتها إسرائيل منذ تأسيسها، إذ يرفض رئيس وزرائها بشراسة إقامة دولة فلسطينية، ولو على بقايا ما بقي من الأرض، بل يرى في الفلسطينيين شعباً طارئاً، ويَمُنّ عليهم بالسماح لهم بالبقاء في مدنهم، وهي أشبه ما تكون بسجون كبيرة، إضافة إلى قرى محاطة بأكثر من ألف حاجز وبوابة، وعشرات المستوطنات والمعسكرات والبؤر المستحدثة، بينما لا يتورع وزراء هذه الحكومة عن إطلاق الدعوات الصريحة إلى طرد الفلسطينيين، بل إنهم يجوبون التلال مع «فتيتهم» المتطرفين حاملين خرائط توسّعهم والنقاط التي يعتزمون مصادرتها.
ولأجل إسكات العالم الغاضب من أفعالهم، خرج نتنياهو، الذي يتوافق مع أشدّ الوزراء تطرفاً ويتبنى رواية «إسرائيل الكبرى»، ليدين أعمال العنف التي ارتكبها «متطرفون» وقال إنهم لا يمثلون المستوطنين في الضفة الغربية، متعهداً بمعالجة هذه المسألة «شخصياً». وسبقه في ذلك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الذي «رفض» اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، مؤكداً أن هذه الأفعال «تمثل تجاوزاً للخط الأحمر». لكنّ وقائع الأرض تكذّب ما يصدر عنهما، إذ جرى تسليح مئات الآلاف من المستوطنين لمهاجمة السكان، كما أُطلق لهم العنان للاعتداء على أراضي الفلسطينيين ومصادر أرزاقهم وبيوتهم، وتجرؤوا إلى حدّ ممارسة البلطجة والقتل في كل مكان.
وتفنِّد الأرقام أيضاً أقوالهم، حيث تم توثيق تهجير أكثر من 1500 فلسطيني منذ بداية العام الجاري في الضفة الغربية، وتعرّض نحو 1460 مبنى للتدمير أو التخريب، كما طُرحت مخططات بناء استيطانية لما يزيد على 26 ألف وحدة جديدة وبلغ عدد المخططات المطروحة منذ بداية عام 2025 وحتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 194 مخططاً استيطانياً تركز معظمها في القدس.
تعاني الضفة الغربية والقدس أوضاعاً مأساوية، فإضافة إلى الأوضاع الأمنية المزرية، هناك حصار اقتصادي خانق، إذ إن مئات الآلاف بلا عمل، كما أن موظفي الحكومة يعيشون على الحد الأدنى من الرواتب التي لا تلبي أبسط مقومات الحياة. ومن يحاول إعمار أرضه فإن إسرائيل ومستوطنيها له بالمرصاد.
لا حلّ في الضفة والقدس إلا بخطوات عربية وعالمية ملموسة توقف هذه الجرائم، وإلا فإن الأمور مقبلة على مزيد من التوتر قد يتطور إلى انتفاضة أشدّ من سابقتيها.

[email protected]