د. ناجي صادق شراب

لا يمكن فهم فوز زهران ممداني كأول مسلم ومهاجر وديمقراطي اشتراكي كعمدة لمدينة نيويورك إلا في سياق التحولات في بيئة النظام السياسي الأمريكي، وفي سياق السياسة الأمريكية كسياسة كونية تؤثر وتتأثر بالأحداث التي تشهدها بيئة السياسة والقوة والأزمات والحروب على مختلف مستوياتها. ولا يمكن أيضاً تجاهل السمات الشخصية لممداني ذاته كأصغر عمدة بعمر 34 سنة وهو يمثل التيار الشبابي الذي لعب دوراً مهماً في دعمه وفوزه. ولا يمكن تجاهل أيضاً تركيبة مدينة نيويورك والتي تعتبر مدينة للمهاجرين وتسكنها طبقة من الفقراء والكادحين، ويتحكم فيها طبقة الأثرياء والمال واللوبي الصهيوني.
أهمية هذا الفوز بأهمية مدينة نيويورك، وبتحوله لنموذج لبقية المدن الأخرى، ففي الوقت الذي فاز فيه ممداني فاز نحو 38 مسلماً في مناصب مختلفة على مستوى الولايات والمدن الأمريكية. وهذا يعني أن هناك تحولات تشهدها بيئة النظام السياسي وخصوصاً مع إدارة الرئيس ترامب وتنامي ما عرف بالتيار الترامبي الشعبوي العنصري، وتراجع دور الحزب الديمقراطي وتغوّل شخصية ترامب الفردانية على البنية المؤسساتية وإصداره العديد من القرارات وفرض الرسوم التي زادت من معاناة المواطن الأمريكي العادي، وانتقاده لكل سياسات الهجرة وفرض القيود عليها والحد منها، وهجومه على التيارات الاشتراكية واتهامه لممداني بأنه شيوعي.
كل هذه السياسات شكلت بيئة مناسبة وداعمه لفوز ممداني، ولذلك يعتبر البعض فوزه بأنه انتصار على تيار ترامب وحد من تناميه وهيمنته. وفى الوقت ذاته لعبت منظومة القيم التي يمثلها ممداني دوراً مهماً في فوزه، إذ قدم نفسه على أنه مدافع عن الفقراء والكادحين واعداً بمراجعة كل السياسات التي عمقت من فقرهم، من خلال فرض الضرائب على رجل المال، ولكن دون أن يعاديهم بل من باب تحسين المستوى المعيشي لسكان المدينة، ووعد بفتح محلات لبيع الأغذية لمساعدة أصحاب الدخل المحدود وتحسين مستويات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات. وهو هنا كان يخاطب الناخب بما يريد ويحتاج، فلم يضع حواجز بينه وبينهم، وذهب إليهم وتعايش معهم.
ومن سماته أنه مع الفلسطينيين وضد حرب الإبادة والقتل، وانتقد إسرائيل في هذه الحرب، لكنه ضد السامية ومعاداة اليهود، لذلك حصل على ما لا يقل عن ثلاثين في المئة من الصوت اليهودي في المدينة. وقد تكون مثل هذه المواقف لها دلالاتها الرمزية أكثر من الواقعية، فممداني يعرف حدود ما يقول، ويعرف أنه عمدة لمدينة وليس حاكماً لولاية.
ويعرف أن سلطات العمدة تقتصر على الخدمات فقط وليس السياسات الخارجية، ويعرف أنه على صغر سنه لا يمكن أن يصبح يوماً رئيساً لأنه مولود خارج الولايات المتحدة. وهو امتداد لحملة الديمقراطية التقدمية ألكساندرا كورتيز التي انتخبت عام 2018 باعتبارها أصغر عضو في مجلس النواب، وامتداد لحملة بيرني ساندرز الذي دعمه في هذه الحملة الانتخابية. ومن مظاهر قوته تحالفه مع نقابات العمال.
أهمية هذا الفوز أنه قد يكون مؤشراً للانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، التي ستشكل مصير النظام السياسي الأمريكي وربما العودة للمؤسساتية واحتمال فوز الديمقراطيين، وهذا ما يقلق الرئيس ترامب وإدارته وتياره.
هذا الفوز لا يمكن حصره فقط في شخص ممداني، بل في سياق التيار التقدمي الذي بدأت ملامحه تبرز مع ستينات القرن الماضي، ورأينا تعبيراً عنه في الاحتجاجات التي شهدتها ولايات كثيرة رافعة شعار «لا للملكية.. لا للديكتاتورية»، وبات هذا التيار يشكل قوة جماهيرية غيرت من معادلات السياسة الأمريكية الداخلية. وكما قال مايكل ساندل أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة هارفارد: «هذا الفوز يعكس أزمة ثقة عميقة بالديمقراطية التمثيلية التقليدية، فلم يعد المواطنون الأمريكيون يثقون بالسياسيين الذين يتحدثون بلغة المؤسسات، بل يبحثون عن وجوه حقيقية تتحدث بلغتهم وتشاركهم غضبهم وأحلامهم».
لعل إسرائيل هي الوحيدة التي شعرت بالقلق لهذا الفوز، والذي عبّر عنه الكاتب اليهودي دانييل مورديس الذي قال «إن فوزه يثير قلقاً حقيقياً في أوساط الجالية اليهودية داخل الولايات المتحدة وخارجها»، فيما قالت الكاتبة الإسرائيلية يوانا غوفين إن «أعظم تهديد لوجودنا وللحضارة الغربية هو زهران ممداني الذي انتخب عمدة لنيويورك».

[email protected]