عبدالله السويجي

بعض المناسبات العامة تصبح خاصة مع نضج الوعي واتضاح الحقيقة. هذا الوعي الذي كان موجوداً في العقل والعقلية لكنه لم يتحوّل إلى وردة صباحية تجدّد كؤوسها كل صباح، والحقيقة أيضاً كانت موجودة في تفاصيل حياتنا، لكنها لم تصبح بيت شعر ونشيداً نردّده كل صباح في طابور المدرسة. الوعي بالحقيقة وحقيقة الوعي عبارتان تتعانقان كما يتعانق الهيدروجين والأوكسجين في الماء، وكما يعانق موج البحر رمال الشواطئ، هي حركة كونية طبيعية أبدية.
والمناسبة العامة التي تتحوّل إلى خاصة تصبح أبديّة الحركة والشكل، بل إنها تأخذ أشكالاً بعدد الأشكال الهندسية، وألواناً بتعدد ألوان قوس قُزح، هكذا مناسبة تتحوّل إلى شعور مستدام أكثر من انتظار مولود جديد، لقد وُلدَت وانتهى الأمر، وأكبر من ترقية لأرفع المناصب، لقد حدثت الترقية وانتهى الأمر، إنها انتظار لأمل يتجدّد مع كل شروق، مع كل عبارة صباح الخير يلقيها أب على أسرته الآمنة، مع كل فرحة طفلة تشتري كل يوم ثوب عيد، هو الثوب ذاته تشتريه، هو الثوب ذاته ترتديه، هو ثوب يكبر مع الطفلة من دون تغيير، تكثر ألوانه وتتمدّد مقاساته وفق الطموح، هذا الطموح الذي يصل إلى نجوم السماء، ولا ينتهي، طموح يولد من آخر تحقّق، كالحلم الدائم المتجسّد في تفاصيل الحياة، هو الحلم الذي تحقّق، ويتحوّل تلقائياً إلى حلم جديد يتحقّق، وهكذا هي دورة الحياة.
هذه المناسبة أوجدت لنا دورتنا الخاصة، وحركتنا الخاصة التي تشبه حركة الكواكب، حركة مدروسة ومصمّمة لتحتوي ما بعدها، وتعانق ما بعدها، فلا تنفصل ولا تبتعد، بل تزداد التحاماً ولُحمة، ورسوخاً وترسيخاً، إنها روح الإنجاز المنثور على مساحة سبعة أقمار مضاءة باستمرار، وطالعة باستمرار، هي وحيٌ دائم الحضور، في القصيدة، والشارع والبحر والبحيرة والمدرسة والجامعة والعيادة والمشفى، هي روح الأبجدية الموزّعة على شجر المحبة والحكمة والعطاء والولاء والانتماء. كل مفردة لها أبجديتها، الولاء له أبجدية، والانتماء له أبجدية، وكل إحساس مهما صغُر أو كبر له أبجدية، ولم نصبح لغة النموذج من فراغ، النموذج الذي يتم تعميمه على بلاد نعرفها ولا نعرفها، هو كالقول المأثور، يسير على كل لسان ولغة، على كل ثقافة وتراث، يسير على العارفين وأصحاب المعرفة.
النموذج تحوّل إلى منهج ثم معرفة أو العكس صحيح، والمعرفة إضاءة الروح بالبصيرة، والبصر بالخصوبة. والمعرفة ليست معلومات أو كلمات، هي عمل وعرق وكد وجهد وإرادة صلبة ونوايا طيبة، وعشق بلا حدود، لاكتشاف أسرار البقاء الطويل، البقاء الجميل مكتمل الأركان. والمنهج ليس طريقة فقط، إنه الطريق إلى الفكرة والصورة والمشهد، وكلما اتضح الطريق اتضحت زوايا المشهد وقاعدته وعرضه وطوله.
والطريق اكتنفه التعب والتضحيات، حتى صار زنّار أشجار وورداً وأغنيات، أصبح الطريق أهزوجة نقطعها ونحن في كامل فرحتنا، طريق لا نهاية له ولا آخر، ورغم ذاك نحفظه ونسير فيه، ونستريح في محطاته، وهذه المحطات هي الإنجاز الذي يبهر الناظرين. والناظرون يتآخون ويتعاهدون ويقسمون ويعملون وينجزون، في بيئة متفتّحة مفتوحة على الجمال، جمال الروح والنفس والمبدأ، كل فكرة تعانق أختها، وكل ثقافة تسامح الأخرى، وكل تراث هو امتداد لتراث آخر، هي فكرة الإنسانية المتجلّية كالنور الساطع، والجمال الذي يتّفق عليه الجميع.
نحن اليوم لا نتحدث بلغة الأرقام والإحصائيات، نتحدّث بلغة هي نتاج الرقمنة والأتمتة والإبهار، بلغة هي نتاج هذا العقل البشري الذي آمن بقدره ومصيره وقدراته وطاقاته، فأنتج لغة احتفائية احتفالية لا تشبهها سوى أناشيد البحارة القادمين من رحلة طويلة محمّلين باللؤلؤ والخير الوفير، ولا يشبهها سوى صهيل خيل قادمة من صحراء الذهب والمجد والأصالة، ولا يشبهها سوى عبارة الأصالة والمعاصرة، نحن أبناء هذا التاريخ الموغل في القدم، الحامل كنوز عاداتنا وتقاليدنا، ونحن أبناء الحاضر الموغل في التحضّر والعلوم والفنون والآداب والاكتشافات والفتوحات العلمية، ماض يعانق الحاضر وتراث يعانق الحداثة نحو مستقبل يجمع الأزمنة والأمكنة والأمن والأمان. مستقبل نعمل على إنجازه في اللحظة الحاضرة، لحظة الابتكار والخلق والتجديد، مستقبل يجعل الأجيال ترفع أيديها للسماء شاكرة البنائين والبناة الذين عمّروا هذه الأرض، حتى أصبحت كلمات تُغنّى صبح مساء، ونشيداً يُنشد في المناسبات.
هي المناسبات العامة التي تحوّلت إلى مناسبات خاصة، جُمعت في مناسبة واحدة يُحتفى بها كل يوم، فهي ليست عيد ميلاد سنوياً، لإنها عيد ميلاد آنيّ، يحمل في كل يوم شمسه الخاصة وأقماره الخاصة ولغته وأبجديته المتجدّدة، عيد ميلاد يتجدّد كمياه النهر وموج البحر والنسائم الفجرية، عيد ميلاد كالحياة. إنه يوم لا يشبه الأيام لأنه يلفّ الزمن بعباءة المجد، يوم توحّدنا وتآخينا وتضامنا وانصهرنا في فكرة واحدة، يوم لم يتكرر في تاريخ الشعوب، ولا يتكرر لدينا لأننا نحياه، هو المناسبة التي أصبحت خاصةً جداً وعامةً جداً، إنه اليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة. هنا يفتح التاريخ صفحاته ليكتب أسماء الخالدين.

[email protected]