خالد راشد الزيودي*
في يوم الشهيد، تتوقف دولة الإمارات العربية المتحدة أمام لحظة تتجلى فيها معاني الانتماء والوحدة في أعمق صورها، وتظهر فيها القيمة الحقيقية لأبناء الوطن الذين تقدموا الصفوف دفاعاً عن سيادته وكرامته. إنه اليوم الذي يستعيد فيه الوطن ذاكرته الحيّة، ذاكرة الرجال الذين أدركوا أن حماية الأرض شرف لا يضاهيه شرف، وأن راية الوطن لا تبقى مرفوعة ما لم يكن خلفها رجال آمنوا بها حتى آخر نبض. ليس يوم الشهيد مناسبة عابرة في الأجندة الوطنية، بل محطة تتجاوز الزمن لتصبح جزءاً ثابتاً من هوية الإمارات ووجدانها، لأنه يعكس الجانب الأخلاقي العميق للدولة التي تبني نهضتها على قيم الوفاء والولاء والكرامة.
ومنذ اللحظة الأولى لإقراره، أصبح يوم الشهيد يوماً تتحدث فيه الأرض قبل الكلمات، وتروي الأجيال سيرة رجال حملوا قلوبهم قبل أسلحتهم، وتقدّموا بإيمان مطلق بأن الوطن يستحق الروح إذا تطلب الأمر. فالشهادة في الإمارات ليست حدثاً عسكرياً فقط، بل موقف وطني يجسّد مدى التلاحم بين القيادة والشعب، ومدى القوة التي يمكن أن تكتسبها دولة حين تتشارك قيم التضحية والإيثار واليقين بالرسالة، رواية تُكتب بدماء الشرفاء وتُقرأ بفخر على مدى الأجيال. ولعل أجمل ما يميّز هذا اليوم، أنه لا يستحضر الماضي فقط، بل يصنع امتداداً للمستقبل، عبر ترسيخ مفهوم أن بناء الوطن عمل مستمر، وأن الحفاظ على ما تحقق مسؤولية تستحق أعلى درجات التفاني.
ويقف صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، على رأس هذه المسيرة، مؤكداً أن الشهداء باقون في ضمير الوطن، وأن أسرهم جزء لا ينفصل عن نسيج الدولة واهتمامها. لقد أعطى سموّه ليوم الشهيد عمقه الحقيقي، عمقاً يجعل من الشهادة قيمة وطنية تُنقل من جيل إلى جيل، ودرساً في أن حماية الوطن ليست واجباً مؤسساتياً فحسب، بل شرف يليق بأبناء الإمارات الذين وهبوا أرواحهم بإيمان راسخ وعقيدة صلبة.
ويعزز صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، هذا النهج بتأكيده الدائم أن الأمم التي تكرّم شهداءها إنما تعلي من شأن نفسها، وتثبت أنها دولة تعرف قدر الرجال الذين صنعوا أمنها وتاريخها. فيما يمثّل سموّ الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، ركناً محورياً في ترسيخ هذا المفهوم، عبر حرصه المستمر على وحدة العمل الاتحادي تجاه أسر الشهداء وتخليد تضحياتهم، بما يعكس رسوخ قيم الاتحاد، وعمق التزام الدولة بأبنائها.
ويُجسّد أصحاب السموّ حكام الإمارات نهجاً واحداً في الوفاء للشهداء، نهجاً يعلي من مكانتهم ويصون إرثهم، ويجعل ذكراهم جزءاً ثابتاً من الوعي الوطني ومسيرة الدولة. فاهتمامهم الدائم بتقدير تضحيات الشهداء ورعاية أسرهم يرسّخ حقيقة أن القيادة الإماراتية موحدة في احترام من قدّموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، وأن الشهادة قيمة وطنية سامية تحظى بالتكريم من أعلى المستويات.
ويحمل يوم الشهيد بعداً سياسياً عميقاً في سياق التجربة الإماراتية، فهو يوم تلتقي فيه عناصر القوة الوطنية من قيادة حكيمة، ومنظومة مؤسساتية راسخة، وشعب يعرف معنى الوحدة والولاء. فالشهداء لم يكونوا مجرّد جنود في مواقعهم، بل كانوا تعبيراً عن عقيدة الدولة في حماية أمنها واستقرارها، وعن وعي أبنائها بأن الوطن الذي يمنحهم الاحترام والكرامة يستحق أن يُدافع عنه حتى آخر مدى.
كما يعكس هذا اليوم قوة الهوية الإماراتية التي بُنيت على التضامن والتراحم والولاء. ففي كل إمارة، ومن كل أسرة، ومن كل ميدان، تتردد رسالة واحدة: الإمارات لا تنسى أبناءها. وهذا الثبات في الذاكرة الوطنية ليس مجرد شعور، بل ممارسة فعلية تظهر في المبادرات والمؤسسات والبرامج التي ترعى أسر الشهداء وتمنحهم كل الدعم والاستقرار.
ويُعلّم يوم الشهيد الأجيال معنى العزة الوطنية، ومعنى أن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر حين يضع مصلحة وطنه فوق مصلحته الشخصية. وهذه القيمة هي التي صنعت الإمارات القوية الواثقة، الإمارات التي لم تُبنَ على التنمية الاقتصادية وحدها، بل على مزيج من الإرادة، والوفاء، والقدرة على حماية المكتسبات.
وفي هذا اليوم، لا تقف الإمارات حداداً، بل تقف وقوفاً يليق بالأبطال. وقوفاً يقول إن الوطن الذي يكرّم شهداءه وطن يمضي بقوة إلى المستقبل، وطن لا تهزه التحديات، ولا تُرهقه الظروف، لأنه بُني على أكتاف رجال آمنوا به حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم. إن يوم الشهيد شهادة دائمة على أن الإمارات، بقيادتها وشعبها، تعرف تماماً معنى الوفاء، وتعرف كيف تكتب تاريخها بثبات وإصرار، لتظل دولة قوية، معتزة، وماضية نحو آفاق أرحب من الإنجاز والكرامة، رافعة راية العزة بكل شموخ وإيمان.
* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر