صمود وقف إطلاق النار لأكثر من 46 يوماً لم يغير في حقيقة الواقع المأساوي في قطاع غزة. ورغم توقف القصف الإسرائيلي المكثف، تستمر الحرب بأشكال أخرى عبر موجات الغارات المفاجئة من حين إلى آخر، وتعثر إدخال المساعدات الإنسانية الكافية، وجمود خطط إعادة الإعمار التي ظلت مجرد وعود إعلامية، وأصبحت من الأسلحة المستخدمة في ما تسمى المعركة السياسية، التي تبدو أقسى من أزيز القنابل والرصاص.
حتى هذه اللحظة لم تبد إسرائيل التزاماً موثوقاً بخطة وقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتم التوقيع عليها في قمة شرم الشيخ، ولم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2803، الذي أضفى صبغة شرعية على خطة إنهاء الحرب تماماً، ومازالت تناور حول المرور إلى المرحلة الثانية من الخطة وتشكيل قوة الاستقرار الدولية والانسحاب من الأجزاء المحتلة من شرقي القطاع، وباتت تتخذ من اتفاق وقف إطلاق النار مظلة لزرع خلايا استخبارية وتنفيذ سلسلة من الاغتيالات ضد عناصر فلسطينية، رغم التحذيرات المتكررة من أطراف عدة بأن اتساع الإجراءات سيؤدي إلى انسداد الأفق السياسي، وقد يعيد الوضع إلى المربع الأول ويقود إلى استئناف الحرب التي دمرت كل شيء في غزة على مدار حولين كاملين.
الخروق الإسرائيلية تصاعدت مع انطلاق المفاوضات والاتصالات بين الوسطاء، مصر وقطر والولايات المتحدة، لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي خطوة حاسمة في طريق إنهاء الحرب وتقضي بانتشار القوة الدولية وتكثيف العمل الإغاثي، والبدء برفع الأنقاض، والشروع في خطة نزع سلاح الفصائل، لكن الواضح أن الحكومة القائمة في تل أبيب لا تريد لهذه المرحلة أن تبدأ، وترغب في أن يظل الوضع فوضوياً وغير قابل للاستقرار، وتراهن، لتحقيق هذه الأهداف، على تعميق الكارثة الإنسانية وإشعال فتنة داخلية تمنع استمرار الالتزام بالاتفاق وتقطع المسار المفترض أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية كما نص عليه قرار مجلس الأمن وأقرته ضمناً خطة ترامب والدول الضامنة لإنهاء الحرب.
العقبة الكبرى، التي تواجه اتفاق غزة الآن، ليست الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة، بل غياب الضغوط الدولية، والأمريكية تحديداً، على تل أبيب لدفع «خطة السلام» إلى الأمام، فبعد صدور قرار مجلس الأمن لم يتم رصد أي تحرك فعلي يمكن البناء عليه إيجاباً. وها هي الأمم المتحدة تشهد على أن الوضع في قطاع غزة فقد قابليته للحياة، وأكدت عبر منظمتها للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن إعادة إعمار القطاع ستكلف أكثر من 70 مليار دولار وقد تستغرق عدة عقود، لتخلص في الأخير إلى أن «التدمير المستمر والممنهج يُلقي بظلال من الشك على قدرة غزة على إعادة بناء نفسها كمساحة ومجتمع صالحين للعيش».
ربما هذه النتيجة هي ما تريد إسرائيل تحقيقها في الفترة المقبلة، لتستكمل هذا التلاعب والإفلات من الالتزام ببقية أهداف الحرب التي لم تنته فعلاً، وتسعى بكل الوسائل لإحباط خطة ترامب وقد تستمر في المراوغة والخداع حتى لا تعود غزة إلى الحياة.
حرب غزة لم تنته
26 نوفمبر 2025 01:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 نوفمبر 01:06 2025
شارك