جميل مطر
كان مراهقاً يافعاً عندما صدر القراران 181 و194. لم يكن مؤهلاً أو واعياً ليحكم على عمق وأهمية هذا المنعطف الأول في مسيرته. تنوعت وتعددت الأطراف الصانعة والمحركة لهذه المسيرة الأولى. تعلّم أن يثق بقادته في الحركة الكشفية وقادته في الحركات «الإيمانية» المبكرة وقادته في «التنظيمات السياسية» كفروع بدائية أو مراهقة في المدرسة الثانوية لتنظيمات أقوى خارج أسوار المدرسة. قيل لنا إن القرارين بالفعل مثّلا نكسة تنضم إلى نكسات في نضالنا المصري ضد الاحتلال البريطاني، نكسات تكتسي رداء خرق الوعود والاتفاقات الغامضة أو الملتوية الأسلوب.
لم يتوقف نضالنا السياسي رغم النكسات ولا توقفت المسيرات الوطنية ولا المسيرة القومية ولا التلاحم المشوب بالشك والحذر الدائم مع بعض قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية. سنوات مبكرة شهدت تناقضات وخلافات وخطوات أحياناً متسرعة، سببها الظاهر هو الانعطافة الشديدة التي جسّدها القرار الأممي المؤسس للصراع العربي الإسرائيلي الصادر في عام 1947.
هبت رياح التغيير وصعدت من جديد بشراسة وشر مبين لنبرات التفتيت والانفراط. وفي النهاية وكما رأينا في روح وثنايا آخر القرارات، القرار 2803، توحد الرعاة لكن بعد غياب أو تغييب مفهوم الأمة وغياب أو تغييب مفهوم الراعي.
أمِن العدل في كثيره أو قليله، أم من الظلم، أن يقوم الرعاة، الأجنبي منهم والمتوطن حديثاً، بالتلميح إلى حرمان جماعة بشرية من حقها في قوميتها؟ السبب الحقيقي والعنصر الكامن وراء هذا الحرمان هو الزعم بوجود أمة أخرى بعقيدة أخرى، منافسة على المكان، عدوانية التوجه، مستمرة في التوسع واحتكار السيطرة على أدوات هذا التوسع.
قبل أيام معدودة صدر القرار رقم 2803. هذه المرة القرار صادر عن مجلس الأمن وليس عن الجمعية العامة التي صدر عنها القراران 181 و194. كنا تعلمنا خلال السنوات الأخيرة ما لم تلقنه لنا محركات التعليم الجامعي وما بعد الجامعي.
ما تلقنّاه ومارسناه يتلخص في كلمات ليست كثيرة، هي أن الأغلبية ليست بالضرورة القوة النظامية الكافية لفرض رأيها وليست بالضرورة على حق. الأغلبية قررت أن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة على أراضي كذا وكذا. رد نتنياهو بأغلبية كنيست يرفض قرار الأغلبية العظمى لدول العالم.
تعبنا ركضاً وراء حكم بإدانة إسرائيل في ارتكاب جريمة إبادة. الأغلبية في كل موقع كانت معنا كضحايا وحلفاء ضحايا. لم تكن معنا الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل ومصدر قوتها العسكرية ومن دون مؤازرته ودعمه المسبق لا تدخل إسرائيل في مواجهة دبلوماسية أو توسعية. نراها، نرى إسرائيل، لم تحرك بعد لمصلحتها سواعد وعبقريات الصين والاتحاد الروسي، أو لعلها حركت ولم تظهر نتائجها.
هناك رأي صاعد بقوة وسرعة في الغرب يلمح إلى أن السياسيين في الغرب خاضعون لإرادة وحش لا يشبع. وحش لم يشبعه اغتيال كينيدي الكبير وكينيدي الصغير، ولا اغتيالات شتى في دول إسلامية وعربية وحرب إبادة في فلسطين، ولا محاولات اغتيال جديدة في الغرب متستر عليها وآخرها اغتيال كيرك، وكان البديل الممكن لزهران ممداني. ممداني مهدد وهو على علم أكيد. لا تفسير لكثير من السياسات الأمريكية المعاصرة سوى ضراوة وشهية هذا الوحش المهيمن على أعضاء الكونغرس وقيادات سياسية كثيرة في بقية دول الغرب.
تعليقي على ما يبدو للكثيرين مصيراً لنا. مصيرنا ليس محتوماً، ودليلي هو نجاح زهران الشاب المؤمن بما يفعل والرائع في قدرته على تشكيل تحالفات، نجاحه في إجبار ترامب على ترتيب أحسن استقبال له في البيت الأبيض.
نجح ممداني لأنه أقنع ترامب بأنه من دون قوته، أقصد قوة ممداني، وخططه لمستقبل نيويورك ومن دونهما معاً لا نهوض لهذه المدينة الأشهر في أمريكا وفي العالم كله. أعرف أن كليهما عبأ لهذا اليوم جيوشاً من الحلفاء في الحزبين كما في الإعلام. أعرف أيضاً، بناء على تجربة، أن ترامب لا يمكن إلا أن يكون قد أضمر لممداني شراً. فالقضية موضوع الخلاف والوفاق بينهما أغلى وأهم من أن تترك لشخص هو النقيض تماماً لكل ما يمثله الطرف الآخر.
المراهق عند صدور القرار السيئ رقم 181 صار مسناً عند صدور القرار الأسوأ رقم 2803.