عثمان حسن
من الواضح أن تطور الثقافة في أي بلد من البلدان منوط بالضرورة بما تبذله هذه البلدان من تنمية ثقافية حقيقية، تدعم مشاريع ذات صلة مباشرة بالمنتج الثقافي في هذه البلدان. ومن المؤكد أيضاً أن ضعف التنمية الثقافية يرجع في أسبابه إلى أمور كثيرة ربما أهمها قلة استثمار الدولة في البنية التحتية الثقافية، وضعف دور المؤسسات الثقافية والمجتمع المدني في رعاية الفكر، وأيضاً غياب الحرية الثقافية بمعناها الواسع، ومن أشكال ذلك خشية الدخول في مناقشة الفكر النقدي، وهيمنة الفكر الجمعي، وعدم مواكبة الثقافة في أي بلد للتطورات العصرية والتقنية.
ومن حسن حظ الإمارات أنها في طليعة الدول الخليجية والعربية التي تهتم بالتنمية الثقافية من عدة نواح، أولها الدعم المؤسسي الذي يتخذ أشكالاً عدة توفر مظلة حماية حقيقية تمكن مثقفي البلد من تيسير نشر أعمالهم، وتمكين المؤسسات الثقافية سواء الرسمية أو الأهلية في الإمارات من دعم الكتاب لنشر أعمالهم من دون كلف مادية عالية، وتسهيل مهمة مشاركة الكتاب الإماراتيين في المؤتمرات الثقافية العربية والدولية بكل يسر وسهولة.
هذه الأسباب وغيرها، شكلت بيئة جاذبة للتنمية الثقافية في الدولة، لا تتوافر في كثير من البلدان التي يغيب عنها الدعم المؤسسي، ناهيك عما تعانيه هذه البلدان من ضعف البنية التحتية.
ارتبط تضاؤل التنمية الثقافية في بلدان أخرى بالأسباب التي ذكرناها سابقاً، كما ارتبط وهذا مهم أيضاً بغياب ثقافة الحداثة، وعدم مواكبتها لتطورات العصر والتكنولوجيا، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم.
إن اهتمام الدول بالتنمية الثقافية، كفيل بتحقيق تقدم كبير في مجالات تطورها، وهنا، تجدر الإشارة إلى مسألة الاستثمار في التكنولوجيا، وقد ثبت أن تباطؤ الاستثمار في هذا الجانب قد أدى إلى إعاقة انتشار الثقافة في كثير من البلدان وعطل إيصالها إلى أوسع شريحة في المجتمع.
مطلوب من بعض الدول العربية، أن تعير اهتماماً أكبر لموضوع التنمية الثقافية، وأن تُنشئ مؤسسات ومراكز معنية بهذا الجانب الحيوي، الذي من المؤكد أنه سيحفز لديها آليات مبتكرة في التطوير الثقافي والفكري، ولعل تمعن تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال مثل اليونان، إيطاليا، فرنسا، وإسبانيا، وسنغافورة وأيضاً الإمارات، التي تتصدر مؤشرات التنافسية، وتركز على تعزيز الابتكار والاقتصاد المعرفي لدفع التنمية الثقافية، من شأنه أن يحقق تقدماً ملحوظاً في التنمية البشرية، التي ستنعكس إيجاباً على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والتعليمية وكافة أوجه النشاط الثقافي والفني في هذه البلدان.