عثمان حسن
الإنسان بطبيعته كائن حي محمّل بالرمزية، رمزية الوجود، رمزية الحياة والموت، رمزية الذاكرة والنسيان، وهذه الرمزيات أسقطها البشر غالباً على أشياء مادية ليعبروا من خلالها عن أفكارهم وهواجسهم، الشعر مثلاً هو ميدان الرمزية الأول، حيث وظف كثير من الشعراء العالميين كثيراً من «المعاني» و«الأشياء» التي يعيشونها، وحملوها بالرمز ليكتشفوا من خلالها المعاني العميقة للوجود.
الشاعر الفرنسي المعروف أوجين غيلفيك والملقب بـ «شاعر الأشياء» كان شهيراً بكتابة قصائده التي تتناول تلك الأشياء العادية، مثلا: الحجارة، والأشياء الصغيرة في الفضاءات والأماكن التي كان يعيشها، وكانت جزءاً من ذاكرته الطفولية، ثم يحولها إلى مادة شعرية عميقة، تبرز قدرته على استكشاف العالم من خلالها.
شكلت هذه الأشياء بالنسبة لغيلفيك تفاصيل حسية تكتشف معاني الوجود الإنساني، ومن خلال تركيزه على هذه الأشياء كان غيلفيك قادراً على استشفاف مفهوم الزمن كما هو في ديوانه «الآن».
هناك العديد من القصائد العالمية التي تمحورت حول الأفكار الهائلة التي تطرحها الأشياء في وجدان الشعراء، ومن ذلك -على سبيل المثال- ما نكتشفه في ديوان «الأشياء» للشاعرة والأكاديمية البريطانية روز باربر الذي صدر في عام 2008، قصائد الديوان تمزج بين السيرة الذاتية والتأمل، وهي تمثل تجربة صادقة وجريئة في اكتشاف معاني الفقد والخسائر الشخصية التي يعيشها الناس من حولها، وقصائد الديوان مكتوبة بأسلوب ظريف وحسي يمزج بين القوة والسهولة والعمق.
من الأشياء التي كانت حاضرة في وجدان الشعراء، تلك الأشياء التي لها علاقة بالمناظر الطبيعية، كما هو عند الشاعر الأمريكي الكبير ألن غينسبيرغ في قصيدته «موانئ سيزان» المستلهمة من إحدى اللوحات الفنية لبول سيزان، والتي يصف من خلالها الكثير من تفاصيل اللوحة خاصة الألوان، ليركز على فكرة الجنة والخلود في ذلك الضباب القاتم فوق الجبال، كما هو في جزء من اللوحة الشهيرة لسيزان.
لكن ماذا عن الشاعر الأمريكي جاري سوتو الذي نلمح شاعرية قوية للأماكن في كثير من قصائده، خاصة «مفكرة العصر» التي يغوص من خلالها في تجربة شخصية ارتبطت بنشأته في بيئة فقيرة، حيث ولد لأبوين من الطبقة العاملة في المكسيك.
في كثير من قصائد الشعراء تمثل الأشياء خيطاً دقيقاً يربط بين الخاص والعام، تصبح هذه الأشياء مادة لاكتشاف موضوعات لها علاقة بالإنسان، ووسيلة للقراء للتواصل مع قضايا أوسع نطاقاً تتعلق بالطبقة والعرق والهوية، نحو مساحة أرحب لفهم الحياة في بعدها الرمزي والكوني.