عثمان حسن

لا شيء ثابت في الأدب، هذه بديهية يعرفها النقاد والمختصون، وقد أثبت الزمن صحة هذه المقولة من خلال ما مرت به التجربة الإنسانية من منعطفات سياسية واجتماعية وثقافية. لنأخذ على سبيل المثال تحولات الأدب الروسي منذ الفترة القيصرية وما تلاها، ففي العصر القيصري شهد الأدب تطوراً كبيراً مع ظهور رواية «الأنفس الميتة» لنيكولاي غوغول، وتناولت الفساد في المجتمع الروسي، و«الحرب والسلام» لليو تولستوي، التي صورت حياة المجتمع الروسي خلال حملات نابليون على روسيا، وما بعد المرحلة القيصرية انفتح الأدب الروسي على الأدب العالمي، فبرز الأدب ما بعد الحداثي، مع رغبة قوية لدى الكتاب والقراء في فهم الماضي والحاضر.
أصبح الأدب الروسي معنياً بالأفكار الحقيقية والنقد الاجتماعي، وبمرور الزمن شهد العالم ظهور أشكال من الأدب التجريبي الذي ازدهر في ستينيات القرن العشرين مع أدب ما بعد الحداثة، الذي بدأت جذوره في وقت مبكر مع بروز مسرح العبث، مترافقاً مع حركات مجددة في الأدب كالرمزية وغيرها، وساعدت المناخات الثقافية الإيجابية في ظهور أنواع جديدة من الأدب مثل المسرح والقصة القصيرة. ظهرت حركة ما بعد الحداثة كحركة أدبية رئيسية في أمريكا، كرد فعل على تعقيدات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتميزت هذه الحركة برفضها للسرديات الكبرى والسخرية والتشكيك في الحقائق، وتناولت موضوعات مثل: الهوية والواقع والنقد الثقافي.
ولا ننسى هنا، الإشارة إلى ظهور الواقعية السحرية، التي انتشرت بقوة في أمريكا اللاتينية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، وأبرز رموزها أليخو كاربنتير، وغابرييل غارسيا ماركيز.
في فرنسا منتصف خمسينيات القرن العشرين ظهرت أشكال من الرواية الجديدة التي تتمرد على بنية السرد التقليدية، كما هو في أعمال جورج بيريك، الذي أنتج أدباً يتلاعب بالكلمات ويبحث عن النظام في الفوضى واستخدام السخرية والتجريب في الأساليب.
ولكن، ماذا عن اليوم، الخبراء يؤكدون أننا نعيش تطوراً ملحوظاً للأدب يتقاطع مع الواقع الافتراضي، والنصوص التفاعلية والإلكترونية، التي تستخدم الأدوات الرقمية، وأدب الخيال العلمي، وهنا، برزت أسئلة مشروعة حول الأدب القادم وآليات الإبداع والتلقي، وإمكانية دمج النصوص الأدبية مع تقنيات الواقع الافتراضي؟.
هذه الأسئلة وغيرها، مثل تأصيل الأعمال التي تنشئها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والنظر في التأثير النفسي والأخلاقي لهذه التقنيات، ما زالت بحاجة إلى تفسيرات مرهونة بالزمن القادم، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسهم بالفعل في خلق تجارب سردية فريدة، وغير متوقعة.

[email protected]