في مطلع عام جديد، نسير معه من نقطة إلى أخرى على مسرح التاريخ، لا بدّ وأن يشغلنا معنى الزمان. والحق أن الوجود الإنساني زماني في جوهره، مثلما هو مكاني في أساسه، إذ لا يمكن فهم حقيقة أو دور أي إنسان إلا بإدراك المكان الذي تحرك فيه، والزمان الذي عاش خلاله، فهما كإحداثيين يحيطان به، ويشكلان وجوده. وعلى هذا انشغلت جُلّ الديانات والفلسفات بل والأساطير بوضع تصوراتها الخاصة للزمان، فتحدثت أساطير الخلق والتكوين لدى الحضارات القديمة، خصوصاً البابلية والهندية، عن دورات تاريخية بملايين السنين يدور العالم في فلكها، يرتبط أغلبها بحياة الخالق الأعظم، كما في الهندوسية، حيث بلغت دورة حياة البراهمان نحو ثلاثمئة مليون سنة. غير أن فلاسفة اليونان كانوا أول من تعقل ظاهرة الزمن، عندما تحدثوا عن نوعين رئيسيين له: أولهما مطلق أكد عليه أفلاطون ومن بعده أفلوطين، ويكاد يعنى الزمن الإلهي، الذي لا يقاس ولا يتجزأ ولا يقطعه شيء ولا يرتبط بحركة، يتدفق مستقلاً عن الكون والإنسان معاً، وهو في امتداده المطلق يشبه السكون المطلق، ويثير إشكاليات عدة حول علاقة الخلق بالزمان، هل كان الخلق في زمان، أم أن الزمان سابق على الخلق، وهل يستمر الزمان بعد الخلق؟. الخ. والثاني نسبى ركز عليه أرسطو، وهو الزمان الفيزيائي/الطبيعي، الذي يقاس بالساعات والأيام والشهور، ويتدفق بانتظام يتحدد بحركة الأجرام والكواكب في مجرتنا الشمسية.
ولأن حركة الأجرام تأخذ دوماً شكلاً دائرياً، سرعان ما يتكرر، فقد أنتجت الفلسفة اليونانية رؤية للتاريخ تأخذ الشكل نفسه، فالتاريخ يكرر نفسه في دورات تشبه العود الأبدي لدي نيتشه.
أما الدين التوحيدي فيقدم فهماً للزمن يؤمن بتدفقه من لحظة الأزل المرتبطة بخلق العالم إلى لحظة الأبد التي ترتبط بنهايته، حيث خلق الله الكون قبل الإنسان، وجعل دقة النظام الكوني دليلاً على حكمته، وعبر حركة الأجرام المنتظمة يستشعر الإنسان وجوده الزماني، فمن خلال دوران الأرض يحصى تاريخه أعواماً وشهوراً وأياماً، وعلى إيقاع حركة الشمس شروقاً وغروباً يقيم عباداته ويمارس طقوسه. حسب هذا الفهم للزمان يتجاوز التاريخ التوحيدي جبر التكرار وعقدة العود الأبدي، ويتحرك في خط مستقيم من لحظة الخلق إلى حدث القيامة، الذي يفصل بين الزمان التاريخي/عالم الشهادة، والزمن المقدس/عالم الغيب. يترتب على ذلك أمران: أولهما أن الزمان التاريخي الذي نعيش داخله لن يخلو يوماً من الصراع والتدافع بين القوى والأفكار، فلا معنى إذن لأي حديث عن نهاية التاريخ. وثانيهما أن مسيرة التقدم محكومة بالتناهي، موقوتة بلحظة الأبد، عندما تتدخل المشيئة الإلهية لتوقف مسيرة الزمان التاريخي، وتدشن الزمن المقدس.
بإلهام الثورة العلمية، أعاد إسحق نيوتن لمفهوم الزمان الأرسطي/النسبي اعتباره تحت مسمى الزمان (الفلكي)، مؤسساً عليه القوانين الثلاثة التي أحدثت قفزة كبرى في مسيرة العلم الحديث، حيث صورت لنا الكون بمثابة آلة ضخمة تتحرك بمعقولية، وعبر مسيرة منتظمة، تفضي كل حركة إلى ما بعدها مثل حلقات متتابعة في سلسلة العلية، محكومة بالحتمية. وعلى هدي فيزياء نيوتن ولدت التصورات الحديثة المتفائلة عن حركة التاريخ في مسار تقدمي صاعد بلا نهاية، وعن إمكانية التنبؤ بمساراته، بل والتخطيط لها والتحكم فيها أيضاً، ما جسد نوعاً من الغرور الوضعي المفرط في التفاؤل.
وهنا أتى فيلسوف التنوير الأبرز إيمانويل كانط ليقيم نسقه الفلسفي على قاعدة فيزياء نيوتن، ولكنه قلل من حتميتها، مؤكداً أن قدرة العقل على المعرفة تظل مقصورة على إدراك ظاهر الشيء، وليس الشيء في ذاته. وأن إدراك المكان والزمان ليس هما المعرفة، بل هما شرطان قبليان للمعرفة، معطيان سابقان على التجربة، يسعى العقل من خلالهما إلى تأمل الواقع التجريبي، وتصنيف مكوناته في قوالب معقولة تجعله قابلاً للفهم والتفسير، بعد أن يُعمل فيها قوانينه الكلية ومبادئه القبلية. ومن ثم رأى كانط في التقدم اتجاهاً عاماً، لكنه ليس حتمياً، بل مشروط بقيم العقلانية والديمقراطية داخل الدول والعدالة بين الأمم.
إنه الفهم المتفتح الذي تكاتفت الفيزياء المعاصرة لإثباته، خصوصاً النظرية النسبية لأينشتاين، التي كشفت لنا عن الكون الصغير (عالم الذرة). وأيضاً مبدأ اللاتحدد كما صاغه فيرنر هايزنبرغ، ولا يمكن بحسبه أن نعرف مكان الإلكترون وسرعته بدقة مطلقة في الوقت ذاته، ففي لحظة قياس أي منهما يكون الآخر قد تغير. وكذلك نظرية الكمّ لماكس بلانك التي قدمت فهماً جديداً للضوء باعتباره جسيمات «فوتونات» تعكس المادة والطاقة معاً. فجميعها ربط بين الزمان بالمكان، حيث لا زمان مطلق بل منسوب إلى المكان، ولا مكان مطلق بل منسوب إلى الزمان، إنه (الزمكان) الذي ينطوي على البعدين معاً. ومن ثم ولد فهمنا المعاصر عن كون ديناميكي مفتوح على التغير، وعن تاريخ إنساني متدفق، يتعالى على كل أشكال الحتمية التي تصورها فوكوياما في ثياب الديمقراطية والرأسمالية الغربيين، زاعماً نهاية التاريخ عند أواخر القرن العشرين.

[email protected]