د. باسمة يونس
قد يبدو السؤال عما إذا كانت الثقافة تعني تعلم سلوك ما أم التجرد من سلوك بسيط في ظاهره، لكنه في حقيقته يتسم بفلسفة تتصل بالحرية والهوية والوعي، وحدود التغيير.
فكم من سلوك نحمله ليس لأنه صحيح، بل لأنه مألوف، وكم من قناعة نعيش داخلها ليس لأنها عادلة، بل لأنها لم تواجه امتحان العقل، وحين نطرح سؤال الثقافة، لا نكون بصدد تعريف كلمة، بل نفتح باباً واسعاً على معنى الإنسان ذاته، فالثقافة ليست زينة عقلية ولا رصيداً من المعلومات، وليست أيضاً قناعاً اجتماعياً يلبسه المرء ليبدو أكثر تهذيباً، بل هي في جوهرها، تجربة داخلية عميقة ورحلة وعي طويلة يتعلم فيها الإنسان كيف يرى نفسه والعالم، وكيف يعيد النظر في ما اعتاده، وما ورثه، وما ظنه يوماً حقيقة نهائية.
ولا يمكن إنكار أن للثقافة بعداً سلوكياً، فكل معرفة حقيقية تنعكس، بشكل أو بآخر، على طريقة الإنسان في العيش والتصرف، فالمثقف لا يرفع صوته لأن الحوار أقرب لعقله من الضجيج، ولا يحتقر المختلف لأنه تعلم أن الحقيقة أوسع من رأيه ولأن الثقافة تهذب السلوك، لا عبر الأوامر، بل عبر الفهم.
وحين يقرأ الإنسان ويتأمل، ويحتك بالأفكار، يتغير سلوكه تلقائياً فيصبح أكثر صبراً وأشد إنصاتاً وأقل تهوراً واندفاعاً، ولا يحدث هذا لأن كتاباً ما قد قال له «كن هكذا»، بل لأن وعيه قد اتسع ولأنه تعلم إعادة ترتيب العلاقة بين العقل والانفعال وبين الرغبة والمسؤولية.
وهذا التعلم ليس تلقيناً أخلاقياً، ولا مجموعة قواعد جاهزة بل هو تعلم نابع من الداخل، من اقتناع عميق بأن السلوك ليس فعلاً معزولاً، بل تعبير عن رؤية الإنسان لنفسه ولمكانه في العالم.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن الثقافة دون الحديث عن التجرد، فالثقافة الحقة لا تضيف فقط، بل تزيل أيضاً، تزيل ما تراكم في النفس من عادات عمياء، ومن سلوكيات موروثة لم تخضع يوماً للسؤال، والمثقف الحقيقي هو من يملك شجاعة التخلي وليس الاكتساب فقط، فالثقافة هنا فعل تحرير من التعصب ومن السلوك الذي يتحرك قبل التفكير.
بهذا المعنى، الثقافة ليست تجرداً من السلوك كلياً، بل تجرد من السلوك غير الواعي، وهي تمنح الإنسان مساحة حرية الاحتفاظ بما هو نبيل، والتخلي عما هو زائف وبلا معنى، وهي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن العيش بردة الفعل، ويبدأ العيش بالفعل الواعي ليعرف لماذا هو هكذا، لا أن يكون هكذا فقط.