قف كالأَلف وَنَمْ كالهلال

00:42 صباحا
قراءة دقيقتين

قبل نحو ثلاثة شهور أَرجأت قراءة رواية «أَلِفْ» للكاتب باولو كويلهو إلى شهر رمضان، وذلك بعد قراءة نحو 100 صفحة من الرواية. شيء ما في داخلك يدفعك إلى قراءة كتابة من هذا النوع الروحي الصّوفي في وقت تكون فيه روحك مهيأة تماماً للإصغاء الكلّي للكلمات التي تتحوّل إلى كائنات غنائية صغيرة.
الرواية رحلة في الذات أولاً قبل أن تكون رحلة في المكان أو في الأمكنة. الراوي أو بطل الرواية أو السارد بضمير المتكلم هو كويلهو نفسه، وإن روايات من هذا النوع السردي تشبه كتابة المذكّرات أو الاعترافات. عندها، يقترب المؤلف منك. يبوح، ويكشف، ويعرّف الأفق الذي تدور فيه روحه.
منذ البداية ستجد أنك مشدود إلى كتابة تهديك نوعاً من الطمأنينة والسلام الداخلي: «أياً من التقيت سيعاود الظهور، أياً يكن من أضعت سيعود، لا تخن النعمة التي مُنْحِتْ، افهم ما يدور في خَلَدك وستفهم ما يدو في خَلَد الآخر».
ما الذي تريده من الرواية؟ الحكمة؟ اقرأ إذاً: «في غابة من مئة ألف شجرة، لا توجد ورقتان متشابهان، ولا رحلتان على الدرب نفسه متشابهتان».
ماذا تريد من الرواية؟ أتريد شيئاً عن الدموع؟ أتريد شيئاً عن الكلمات؟ اقرأ بهدوء: «الكلمات دموع خُطّت، الدموع كلمات ينبغي أن تُذْرَفْ، من دونها، يفقد الفرح كل بريقه، ويكون الحزن بلا منتهى، فأشكرك على دموعك».
يلتقي الراوي أو السارد ولنقل يلتقي المؤلف بامرأة تدعى هلال، تصبح جزءاً مهماً من البنية الحكائية للرواية، هلال تعزف على الكمان، التقاها كويلهو في أيلول/ سبتمبر عام 2006 في النمسا، وفي مرة كانت تعزف، وإذا انتهت يكتب كويلهو: «أشكرك على العزف. كل صباح عندما يكون ذهنك صافياً، خصّصي وقتاً بسيطاً لله، في الهواء قوّة كونية تتفرّد كل ثقافة بإعطائها اسماً مختلفاً».
لا يترك كويلهو ثغرة في الرواية لتتسرّب منها قدرته على تحويل الكلمات إلى الهواء أو إلى تنفّس، ولا أريد القول تحويل الكلمات إلى دموع، أصغ إليه وهو يقول: «الحياة هي القطار، لا المحطة» ويقول: «البحث عن السلام هو شكل من أشكال الصلاة التي تولّد النور والحرارة، فلتنسَ نفسك لبعض الوقت، ولتفهم أن الحكمة تقبع في ذلك النور، وأن التعاطف يقبع في تلك الحرارة».
ولكن من هي «هلال» بالضبط؟ الاسم المذكّر الذي يحمل هنا كياناً إنسانياً مؤنثاً، ثم، ما «الألف»؟ وهل الألف هي هلال، ولكن من كونه هلالاً منحنياً يشبه تكويرة الجنين النائم، إلى كونه ألفاً ممدودة، واقفة، كالعصا، أو كالحقيقة؟
اقرأ الرواية ببطء، اقرأ الاستشهادات القرآنية الواردة فيها، واقرأ الشعر الذي يضيء أحياناً في جسد الكلمات كما تضيء الدموع المتساقطة على وجهٍ إنساني جميل.
اقرأ، وَقِفْ كالألف، أو استلق وَنَمْ كالهلال.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"