كان يوماً بصباح مختلف. نهضت من فراشي وكلي رغبة عارمة في أن أتمرد على عادة من عادات آخر الأيام. كنت قد عودت نفسي، أو عودتني سياقات الزمن في آخر تجلياته، على افتتاح نهاري بمشاهدة قنوات تلفزيونية كانت في يوم غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات.
كان لا بد من تغيير وضع لم يعد استمراره محتملاً. أذكر أن ظني، ولم يكن في غير محله، راح إلى تحميل القنوات الملتصقة ب«صباحاتي» مسؤولية تدهور الوضع. وبالفعل جاء هذا الصباح ومعه القرار أن أبدأ التمرد بالانتقال إلى مشاهدة قنوات أخرى غير تلك التي لم نكن، القنوات وأنا، نفترق في أي صباح على امتداد سنوات عديدة.
أخذني «الريموت» إلى مكان بعيد جداً، أخذني إلى حيث صور للبهجة والفرحة والأغاني المرحة والرقص الناطق بالمعاني الراقية. اكتشفت أنني أمام صور عن احتفال شعب الصين بعيدين، عيد مولد سنة جديدة، سنة الحصان، برمز الشجاعة والمستقبل. وعيد ميلاد الربيع. غلبتني مشاعر الإعجاب والانبهار وبعض الحنين لا أنكره وانزاحت بعض مظاهر القلق.
تساءلت، كيف أمكن لشاشة أن تنقل هذه الاستعراضات بنفس ألوانها الزاهية والناطقة في آن. أجزم وبكل الثقة والاطمئنان بأن الاحتفال الذي شاهدت والذي استمر لساعات أربع أو أكثر نجح في أن ينقلني من العيش في حال سبق أن وصفت وشرحت، حال عالم تخبو أنواره، إلى العيش في حال عالم مفعم بالأمل والثقة في المستقبل، حال عالم عادت تضاء كل مصابيحه.
شاهدت أيضاً على شاشة تلك القناة صور شعب من الشرق أو من الجنوب مثل شعب بلادي، شاهدته ينتهز فرصة شهر الصيام لينجح ويفرح. رأيت ألواناً ومظاهر من البهجة والتفاؤل والأمل حرمتني منها قنوات غربية طالما صبغت صباح أيامي بلون العتمة وحاولت أن تعيد صياغة حياتي بغير ما تمنيت وبغير ما أستحق. قنوات راحت تنعى بعبارات أو تلميحات مختلفة انحدار الغرب أو تعلن، غير آسفة، اقتراب نهاية حقبة في تاريخه. تنعى نهاية إيمانه بقيم الحقوق والديمقراطية، أو هي تكشف عن شبكات جاسوسية نسجها أغنياء لابتزاز أغنياء آخرين. سمعنا عن أدلة تدين عظماء في الفن والأدب والعلم، تدين ماضيهم ومستقبلهم مروراً بحاضرهم.
شاهدنا جزيرة وقصوراً وطائرات خاصة ويخوتاً وكاميرات تصوير استخدمها الجواسيس لتصوير الرجال العظام مع فتيات قاصرات. هؤلاء تركوا ثروة سيئة السمعة تقدر بست ملايين وثيقة كلها تعكس لحظة انطفاء بعض مشاعل حضارة الغرب.
إن عدت الآن، وسوف أعود حتماً، أعود إلى الشارع العتيق في مصر. هناك سوف أجد الفرحة على وجوه أطفال حملوا فوانيس رمضان بألوانه المرحة وفي صحبته أغانيه الرائعة، أغاني كلها كلمات فرح وسعادة.
انتهى عهد الاستعمار كما وصفه المؤرخون، وقد عشنا في عالمنا العربي آخر مراحله ويبدو أننا مقدمون على مرحلة بعثه من جديد. نعيش مقدمات هذا البعث. نعيش تجربة الإبادة، عشناها ونعيشها في غزة والضفة ويعيشها آخرون في شكل مطاردة الملونين في بلاد الفرنجة وفي بلاد من تشبه بهم. نعيش أصداء فضيحة الغرب المدوية التي نظمها المدعو إبستين وأجهزة استخبارات إسرائيلية وغير إسرائيلية ورجال أغلبهم يهود متطرفون وبالغو الثراء، جلبوا الفتيات القاصرات من كل مكان ومن أجلهن جلبوا الشخصيات البارزة من كل الدول وسجلوا اللقاءات صوتاً وصورة، تسجيلات أثارت وما زالت تثير الرعب في قلوب مئات الناس والفضول في نفوس ملايين البشر.
عشنا نتساءل عن حقيقة وجهة ولاء أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين تلقوا تمويلاً كافياً من «آيباك» ومن أثرياء اليهود، أهي أمريكا أم إسرائيل؟! نتساءل أيضاً عن من يقف وراء مقتل الرئيس جون كنيدي وعملية تفجير برجي مانهاتن في نيويورك يوم 11 سبتمبر، ونتساءل عن العقل أو العقول التي خططت وضغطت من أجل شن حرب على العراق.
ثم وقعت المقابلة الأشهر بين تاكر كارلسون الصحفي الأمريكي الشهير وهاكابي السفير الأمريكي في إسرائيل، وهي المقابلة التي شغلت الإعلام الغربي لأيام عديدة متتالية وأثارت من جديد قضية «ولاء الأمريكيين لمن»، لأمريكا أم لإسرائيل؟ وبخاصة وقد صارت أمريكا على بوابة الدخول إلى انتخابات جديدة. لا جدال في أن قناعة صارت تسود في أوروبا وربما في خارجها أيضاً تؤكد أن حرباً أمريكية إذا نشبت ضد إيران فإسرائيل المحرك لنشوبها والمستفيد منها، وهذه ليست المرة الأولى.