جميل مطر
مرة أخرى أقف حائراً وأنا أحاول التعرف على، أو فهم، ما وراء الكثير من القرارات السياسية الأمريكية، وبخاصة إذا تعلق القرار بالشأن الخارجي. أذكر على سبيل المثال قرار شن الحرب على العراق الصادر في مطلع القرن. أذكر وعلى سبيل المثال أيضاً القرار الصادر بشن الحرب على الجماهيرية الليبية، ولكني أذكر بصفة خاصة ولأسباب مفهومة القرار الصادر قبل أيام قليلة بشن حرب ضد إيران. تجدر الملاحظة أنه في كل هذه الأمثلة كما في عشرات غيرها لم تكن الولايات المتحدة مهددة بأي ضرر جسيم يستحق شن الحرب.
دفعتني الحيرة هذه المرة إلى تفضيل عدم الكتابة في موضوع الساعة وأن أختار بدلاً منه موضوعاً يصلح لمقال انطباعات يبتعد بنا قدر الإمكان عن موضوع الحرب على إيران بسبب كل ما يكتنفه من حساسيات ومعلومات متناقضة، ولكن، وهو الأهم، بسبب السرعة التي تتحرك بها الأحداث من ناحية، ومن ناحية أخرى إحساسي بأن وراء الحرب حكايات وخططاً ومؤامرات لا بدّ أن تُحكى بعد مضي وقت، خاصة أن حدسي قد صدق في أمثلة سابقة، ومن ناحية ثالثة تقديري أن قرار الرئيس الأمريكي بشن هذه الحرب الأخيرة مهدد بأن يلغى في أي لحظة، أخذاً في الاعتبار الدور الكبير الذي يلعبه مزاج الرئيس لحظة اتخاذ القرار.
أعرض فيما يلي خلاصات لبعض ما اختصرت واخترت من كل ما سمعت وقرأت ورأيت وحللت، أو حلل غيري من رفاق المرحلة، مرحلة ارتباك وحيرة وأسى ومفاجآت مفروضة، مرحلة هيمن فيها الذكاء الاصطناعي بكل إنجازاته والخداع بكل أساليبه، والكذب بكل أنواعه، والفساد المنقطع النظير والخيانات بلا حدود والقتل أو الاغتيال بلا وازع ولا ضمير.
شنت الولايات المتحدة حرباً ضد دولتين على الأقل وربما ثلاثة إذا أضفنا نيجيريا إلى فنزويلا وغزة، شنها جميعاً رئيس لم يخف سعيه وأمله أن يحظى بجائزة نوبل للسلام، ومن بعد خيبة أمله وفشل مسعاه في الحصول على الجائزة راح يشكل «مجلس سلام» ليحل محل الأمم المتحدة ومؤسساتها وليغطي على فشله في تحقيق سلام في غزة.
نلاحظ زيادة هائلة في نسبة الآراء الغاضبة في الولايات المتحدة من إسرائيل. لاحظنا أيضاً زيادة مماثلة في عدد المحللين الأمريكيين الذين ارتدّوا عن تعاطفهم مع إسرائيل والصهيونية وبخاصة في دوائر الإعلام والأكاديميا. بعض هؤلاء المرتدّين إلى جانب آخرين طرحوا بشدة وإصرار فكرة أن إسرائيل كانت، ولا تزال، وراء الحملة العسكرية الأمريكية على إيران. كثيرون من بين هؤلاء اتهموا إسرائيل بأنها تستخدم ضد ترامب سلاح الابتزاز بالمال أو الجنس أو الفساد، بينما آخرون اختصروا الاتهام بالادعاء بأن ترامب كان قد تحول إلى الديانة اليهودية مثله مثل ابنته إيفانكا.
كثيرون في أمريكا وخارجها مقتنعون تماماً بأن الرئيس ترامب يشن الحرب لتشتيت انتباه الرأي العام بفضيحة جيفري إبستين.
إننا حاولنا استقراء احتمالات تمدد تطورات بعينها في المستقبل لهذه الحرب الخبيثة التي تمكنت خلال يومين أو ثلاثة من تهديد استقرار العدو كما الحليف.
أسفرت محاولاتنا عما يلي:
أ- استغراق المجتمع الأمريكي في الاستمتاع بخبايا فساد المستنقع الذي نجم عن فضيحة إبستين، بما يعنيه هذا الاحتمال من لجوء الرئيس وجماعته إلى مزيد من المغامرات العسكرية.
ب- استمرار تدهور الوضع السياسي في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني مزيداً من البهرجة والقرارات ذات الطبيعة التهريجية، مثل تعيين زوجة الرئيس مندوبة مؤقتة لترأس وفد أمريكا في مجلس الأمن، بعد سقوط مهزلة شارك فيها البليونير صاحب «أمازون» و«الواشنطون بوست»، وهي مهزلة الفيلم الوثائقي عن حياة السيدة الأولى، في وقت تحكي وثائق إبستين عن تاريخ لها مختلف تماماً.
ج- يفلح مارك روبيو وزير الخارجية في حكومة ترامب في تحقيق حلم حياته «بتحرير» كوبا من الحكم الشيوعي وذلك بحرب ضدها تشنها الولايات المتحدة.
الحرب لا تزال مشتعلة والمضيق مغلق وأسعار النفط والغاز أيضاً مشتعلة ومصر محرومة من الغاز الإسرائيلي وأمريكا تستمر في خسارة مكانتها وإسرائيل لن تسمح لترامب بالانسحاب منها قبل أوان تحدده هي.