ما بعد إسلام آباد.. صراع الإرادات لا صراع الطاولات

01:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد حدثاً عابراً في سياق أزمة عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران، وحدود ما يمكن أن تنتجه الدبلوماسية حين تُستدعى بعد أن تتكلم القوة. فقد لخّص رئيس الوفد الأمريكي الموقف بقوله: إن بلاده «لن تقبل بأي ترتيبات لا تضمن بشكل واضح حرية الملاحة وأمن المنطقة»، في إشارة مباشرة إلى تشدد واشنطن في تثبيت خطوطها الحمراء، بينما جاء رد رئيس الوفد الإيراني أكثر صراحة حين أكد أن «أي اتفاق يجب أن يعكس واقع القوة الجديد ويحفظ حقوق إيران السيادية»، وهو ما يعكس إصرار نظام طهران القائم على تحويل نتائج المواجهة إلى مكاسب سياسية. وبين هذين الموقفين المتقابلين، تبدو المحادثات التي وُلدت من رحم مواجهة عسكرية استمرت أربعين يوماً، أقرب إلى مفاوضات اختبار: اختبار للقدرة على فرض الشروط، لا للتنازل عنها.
في هذا السياق، لا ينبغي قراءة فشل الجولة الأولى باعتباره نهاية المسار، بل بوصفه انتقالاً نوعياً من صراع ميداني إلى صراع تفاوضي أكثر تعقيداً. فحين يجلس طرفان إلى الطاولة بعد حرب مباشرة، فإنهما لا يتفاوضان على السلام بقدر ما يتفاوضان على تعريف «النصر». الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت معادلة ردع واضحة، عنوانها أمن الملاحة وكبح الطموح النووي، فيما تحاول إيران تحويل خسائرها العسكرية إلى مكاسب سياسية، تُترجم في شكل اعتراف ضمني بدورها الإقليمي وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة. وبين هذين الهدفين، تتسع فجوة لا تُردم ببيان مشترك ولا تُختصر في جولة تفاوضية واحدة.
ما يزيد المشهد تعقيداً أن الهدنة القائمة ليست نتاج اتفاق مستدام، بل نتيجة توازن مؤقت فرضته كلفة التصعيد. وهذه الهدنة، بقدر ما منحت الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، فإنها لم تعالج جذور الأزمة، بل جمدتها مؤقتاً. لذلك، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز، أو حتى فتحه جزئياً تحت ضغط عسكري، يعكس حقيقة أن الصراع لم يُحسم، وأن أدواته تغيرت فقط. فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح ورقة استراتيجية تُستخدم في إعادة رسم موازين القوة.
التحليل الأعمق يشير إلى أن ما نشهده اليوم هو حالة كلاسيكية فـي العلاقات الدولية تُعرف بـ«توازن الردع غير المستقر»، حيث يمتلك كــل طرف القدرة على الإضرار بالآخر، من دون أن يمتلك القدرة على فرض تسوية نهائية. في مثل هذه الحالات، لا تنتهي الأزمات، بل تُدار. وتتحول المفاوضات إلى أداة من أدوات الصراع، لا بديل عنها. وهذا ما يفسر التناقض الظاهر بين استمرار الاتصالات السياسية وتصاعد الخطاب المتشدد في الوقت ذاته.
فـي ضــوء ذلك، يبــدو أن المرحلة المقبلة لن تشهد اختراقاً سريعاً، بل دخولاً في مسار تفاوضي طويل يقوم علــى «الخطــوات الصغــيرة»، أو ما يمكن وصفه بتفاهمات جزئية تعالج الأعراض من دون الأسباب. قد نشهد ترتيبات مؤقتة لضمان مرور السفن، أو آليات لخفض الاحتكاك العسكري، لكن من غير المرجح الوصول إلى اتفاق شامل يعيد تشكيل العلاقة بين الطرفين في المدى القريب. فالقضايا المطروحة – من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي – تتجاوز قدرة أي اتفاق سريع على استيعابها.
الأهم من ذلك، أن هذا الصراع لم يعد ثنائياً في جوهره، حتى وإن بدا كذلك في شكله. فدول الخليج العربية، التي وجدت نفسها في قلب الأزمة من دون أن تكون طرفاً فيها، أصبحت متغيراً أساسياً في معادلة التوازن. وأي محاولة لإنتاج تسوية تتجاهل مصالحها الأمنية والسيادية، ستبقى عرضة للانكشاف. فالأمن الإقليمي لا يمكن بناؤه عبر تفاهمات فوقية بين دولتين، بل عبر منظومة توازن أوسع تأخذ في الاعتبار جميع الأطراف المتأثرة.
إن فشل مفاوضات إسلام آباد يعيد طرح سؤال جوهري: هل تسعى الأطراف فعلاً إلى إنهاء الصراع، أم إلى إعادة تنظيمه بشروط جديدة؟ المؤشرات الحالية تميل إلى الخيار الثاني. فغياب الثقة، وتضارب الأهداف، واستمرار توظيف أوراق الضغط، كلها عوامل تشير إلى أن ما يجري هو إدارة محسوبة للأزمة، لا محاولة جادة لإغلاقها.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة عنوانها «اللايقين المنضبط»: لا حرب شاملة في الأفق القريب، ولا سلام حقيقي في المتناول. بل مساحة رمادية تتحرك فيها الأطراف بين التصعيد والتهدئة، وفق حسابات دقيقة تتغير بتغير المعطيات. وفي هذه المساحة، يبقى الخطر الأكبر ليس في القرار بالحرب، بل في الخطأ في تقدير حدودها.
إسلام آباد لم تفشل فقط في إنتاج اتفاق، بل كشفت أن الطريق إلى الاستقرار في المنطقة لا يزال طويلاً، وأن كلفة تجاهل الحقائق الاستراتيجية – وفي مقدمتها دور دول الخليج وأهمية أمن الممرات الحيوية – ستظل أعلى من كلفة التوصل إلى تسوية عادلة ومتوازنة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الصراع قائماً، وإن تغيّرت أشكاله.
* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر

[email protected]

عن الكاتب

متخصص في إدارة الأزمات والمخاطر

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"