كانـت بـلاد الخـليـج العربـيّ، مـنذ مـائـة عـامٍ، ومـا بـرحـت حـتّـى الـيـوم مَـطْمـعاً للـقوى الـعظـمـى في الـعـالـم، كـما للـقوى الإقـلـيـمـيّـة الي وجدت فـي غـيـاب المـشروع الـعربيّ الـجـامـع الـفـراغَ الـمـنـشـود قـصـد الاعتياشِ مـنه ومـلـئه. ثـْواتُ الـمنطقة، خـاصّةً مصادر الطّـاقـة، والـموقـعُ الجـيوستـراتـيـجـيّ الـممـيَّـز عى امتـداد واحـدٍ مـن أهـمّ المـمـرّات الـمـائـيّـة الـتي تـشهـد عـلى نـسبـةٍ عـالـيـة مـن حـركة المـلاحة التّـجـاريّـة الـدّولـيّـة، ثـمّ الـفـرص الكـبـيـرة الـتـي تـسـمـح بـهـا اقـتـصـاداتُ بـلـدان الـخـلـيـج، بـل والسّـيـاسـات الاقـتـصـاديّـة المـتَّـبـعـة فـيـهـا، أمـام الاستـثـمـارات الأجـنـبـيّـة قـصـد تـعـظـيـم الأربـاح، نـاهـيـك عـن الـتّـقـدّم الهـائـل الـمـتـحـقّـق فـي مـشـاريـع الـبـنـى الـتّـحـتـيّـة الارتـكـازيّـة، الضّـروريّـة لـكـلّ نـهـوضٍ اقــتـصـاديّ.. (جـمـيـعُـهـا) عـوامـل تـفـسّـر ذلـك الـطّـلـب الـمـتـزايـد عـلى المـصـالـح في مـنـطـقـة الـخـلـيـج الـعـربـيّ مـن قِـبـل الـقـوى المـشـار إلـيـهـا، بـمـقـدار ما تـفـسّـر حـالـة الازدهـار فـي الـنّـمـوّ الـتي تـشـهـد عـلـيـهـا بـلـدانُـهـا فـي الـعـقـود الأخـيــرة.
مـن الـطّـبـيـعـيّ أن يـتـكـاثـر الـطّـامـعـون، وأن تـتـنـوّع صـورُ أطـمـاعـهـم مـتـدرِّجـةً مـن الابـتـزاز الـسّـيـاسـيّ والاقـتـصـاديّ إلـى الـعـدوان العـسـكـريّ. لـذلك مـا كـان غـريـبـاً أن تـشـهـد مـنـطقـة الـخـلـيـج عـلى ثـلاث حـروبٍ كـبـرى عـلى سـاحـتـهـا مـنـذ مـا يـقـلّ قـلـيـلاً عـن نـصـف قـرن، وأن يـصـيـبـهـا مـن المـوت ودمـار العـمـران مـا أصـابـهـا مـنـهـمـا.
لـذلـك، أيـضـاً، كـان مـن الـطّـبـيـعـيّ أن يـكـون أمـنُ الـخـلـيـج فـي قـلـب هـواجـس بـلـدان الخـلـيـج الـعـربـيّـة، لـيـس مـن بـاب حـمـايـة نـفـسـهـا مـن الـمـخـاطـر الخـارجـيّـة والـعـدوان عـلـيـهـا فـقـط، بـل لأنّ الأمـن سـلـعـةٌ اسـتـراتـيـجـيّـة حـيـويّـة لا إمـكـانَ لأن يـعـيـش اقـتـصـاد ويـنـمـو ويـزدهـر، ولا أن تـتدفّـق اسـتـثـمـاراتٌ مـن الخـارج والـدّاخـل مـن دون اسـتـتـبـابـه.
ولـقـد كـان مـنـطـقُ الـمـصـالـح نـفـسُـه يـقـضـي بـأن يـكـون أمـن الخـلـيـج فـي الـقـلـب مـن سـيـاسـات كـلّ الـدّول الـتـي لـديـهـا مـصـالـح فـي مـنـطـقـة الخـلـيـج وشـراكـاتٌ اقـتـصـاديّـة مـع دولـهـا ومـؤسّـسـاتـهـا؛ لـكـنّ ذلـك إذا كـان يَـصِـحّ نـظـريّـاً، فـهـو مـا لـم يـسـتـقـم لـه أمـرٌ عـلى الصّـعـيـد العـمـلـي؛ حـيـث عـانـى ذلك الأمـن الـكـثـيـر الـكـثـيـر مـن القـوى الإقـلـيـمـيّـة والـدّولـيّـة الـتـي كـان يُـفـتَـرض فـيـهـا مـسـاعـدة دول الـخـلـيـج عـلى حِـفْـظ أمـنٍ يـسـتـفـيـد مـنـه الجـمـيـع.
قـادت تـجـاربُ بـلـدان الخـلـيـج مـع مـسـألـة أمـنـهـا الإقـلـيـمـيّ دولَـهـا إلـى مـبـادرةٍ جـمـاعـيّـة قـضـت بـتـأسـيـس قـيـادة عـسـكـريّـة مـوحّـدة عُـرفـت بـاسـم «درع الـجـزيـرة». كـان ذلك قـبـل نـيّـفٍ وأربـعـيـن عـامـاً حـيـن امـتـحـنـتِ الحـربُ الـعـراقـيّـةُ- الإيـرانـيّـةُ أمـنَ الـخـلـيـج، بـل هـدّدتْـه فـي الصّـمـيـم، وخـاصّـةً حـيـنـمـا بـاتـتِ المـلاحـةُ الـتّـجـاريّـة فـي مـيـاه الـخـلـيـج مـحـفـوفـةً بـخـطـر الـتّـوقّـف الـكـامـل بـعـد تـلـغـيـمـهـا. ثـمّ مـا لـبـثـت فـكـرةُ أمـن الـخـلـيـج أن أخـذت بـعـداً أوسـعَ مـدى حـيـن وضـعـت الحـربُ العـراقـيّـةُ- الإيـرانـيّـة أوزارهـا وحـصـل اجـتـيـاحُ الجـيـش الـعـراقـيّ للـكـويـت (1990) وانـدلاع حـرب «عـاصـفـة الـصّـحـراء» ضـدّ الـعـراق (1991).
إنّ نـظـام الأمـن الـذّاتـيّ الـخـلـيـجـيّ، الـذي مـثّـلـتْـه صـيـغـةُ «درع الـجـزيـرة»، لـم يـثـبـت مـشـروعـيّـتـه والحـاجـةَ إلـيـه فـقـط، بـل أثـبـت فـاعـلـيّـتـه ونـجـاعـتـه فـي صـون الحـدّ الأدنـى الضّـروريّ مـن الأمـن الـجـمـاعـيّ الخـلـيـجـيّ أيـضـاً. ولـعـلّـه وحـده، الـيـوم، مـا يـمـكـن اعـتـبـارُه المـظـهـرَ الـيـتـيـم الـمـصـغَّـر لـفـكرة الأمــن الـقـومـيّ الجـامـع والمـشـتـرك الـذي كـان يُـفـتـرض أن يـشـمـل الـبـلاد الـعـربـيّـة كـلَّـهـا مـنـذ تـوافـقـت دولُـهـا، قـبـل ثـلاثـة أربـاع الـقـرن، عـلى الـعـمـل بـأحـكـام «مـعـاهـدة الـدّفـاع الـعـربـيّ المـشـتـرك» (1950)، مـن غـيـر تـفـعـيـلٍ مـنـهـا، يـومـاً، لـتـلـك الأحـكـام عـلى هـوْل مـا واجـهـتْـه مـن حـروب واحـتـلالات!
عـلـى أنّ الأمـن الـذّاتـيّ الـخـلـيـجـيّ يـحـتـاج إلـى أن يـتـعـزّز أكـثـر ويَـقْـوى حـالاً وشـوكـةً بـأمـن عـربـيّ رافـدٍ؛ لأنّ الـتّـحـديّ الـذي تـواجـهـه أقـطـار الـخـلـيـج الـعـربـيّ، إقـلـيـمـيّـاً ودولـيّـاً، ضـخـمٌ وكـبـيـر ويُـجـاوِز قـدْرات الإقـلـيـم الـواحـد مـنـفـرداً. لـيـس فـي صـيـغـةٍ مـتـوافَـقٍ عـلـيـهـا لأمـنٍ قـومـيّ فـي الـخـلـيـج الـعـربـيّ مـا يُـخـشـى عـلى الخـلـيـج الـعـربـيّ مـنـهـا؛ فـهـي فـي رصـيـد أمـنـه تـصُـبّ لا مـحـالـة، وهـو مـمّـا تـقـدّمـه لـه مـن أمـنٍ مـسـتـفـيـدٌ أعـظـمَ الاسـتـفـادة. إلـى ذلـك، يُـوفّـر وجودُ صـيـغـِ مـنـظـومـةٍ أمـنـيّـة عـربـيّـة لـمـنـطـقـة الـخـلـيـج العـربـيّ تـوازنـاً فـي الـقوى الإقـليـمـيّـة مـطـلـوبـاً، والأهمّ مـن ذلك يـكـرّس الحـقـيـقـة الـتـي لا مـنـدوحـة عـن الـتّـشـديـد عـلـيـهـا: إنّ أمـن الخـلـيـج جـزءٌ لا يـتـجـزّأ مـن الأمـن الـقـومـيّ الـعـربـيّ.