الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

خيانة وطن.. حين تنكشف الوجوه

26 أبريل 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 26 أبريل 00:13 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
سلطان حميد الجسمي*
حين تنكشف الوجوه، لا يبقى مجال للخونة ولا مكان للاختباء، وتسقط الأقنعة التي اتخذت من المواطنة لباساً زائفاً، وفي داخلها خيانة للوطن، فلا تكون الخيانة فعلاً عابراً، بل زلزال يهزّ القيم والمبادئ، ويترك أثراً عميقاً في مجتمع بني على التماسك والولاء.
خيانة الوطن جريمة عظمى لا تغتفر، لأن صاحبها باع وطنه لدول خارجية أو لمنظمات سرية، فأصبح ولاؤه لغير وطنه وقيادته، فكانت خيانته سقوطاً مدوياً وجرحاً غائراً في جسد الوطن لا يبرأ، وانكساراً في الضمير قبل أن تكون جريمة في القانون، إذ لا تقاس الخيانة بالفعل وحده، بل بما تهدمه من معنى الانتماء، وما تطفئه من نور الوفاء، وما تزرعه من ظلال الغدر في قلب الدولة.
وخائن الوطن لا يخرج على القانون فحسب، بل يتمرد على فطرته ويخلع انتماءه ويطفئ صوته الداخلي حين تسوّل له نفسه أن يتآمر مع منظمات إرهابية أو جهات تسعى لهدم الاستقرار، وهنا يقف المجتمع مذهولاً أمام سؤال ثقيل يتردد في الصدور قبل الألسن: لماذا خانوا الإمارات؟
وفي وطنٍ كالإمارات حيث يصان الإنسان منذ أن يكون في أحشاء والدته ويحاط برعاية لا تنقطع ويمنح أفضل التعليم وأعلى معايير الصحة، ويبلغ مراتب العمل ويحظى بمنح الزواج والمسكن وسداد الديون وغيرها من مقومات الحياة الكريمة التي تقدمها القيادة الرشيدة للمواطن الإماراتي ويعيش في أمنٍ وأمان يصبح السؤال أكثر إيلاماً ووقعاً: كيف يمكن لإنسان أن يطفئ كل هذا النور في داخله وأن يبيع كل هذا العطاء وأن يخون وطناً لم يمنحه إلا الكرامة والعزة والحياة الكريمة؟
ومن هنا تبدأ أخطر فصول الخيانة حين يبحث الخائن عن تبرير لفعلته فينسج لنفسه أوهاماً يختبئ خلفها ظناً منه أنها تخفف عنه ثقل الجرم أو تمنحه معنى زائفاً لما اقترفه فيقع أسير وهمين لا ثالث لهما: أولهما المال حيث يغرى ببريق زائل ويخدع بأرقام لا تساوي ذرة من قيمة وطن منحه كل شيء فكيف يقايض الإنسان وطنه الذي صانه ورباه ورفع من شأنه بمال عابر لا يدوم ولا يصنع كرامة، وثانيهما وهم النفوذ والسلطة حيث تلقى إليه وعود كاذبة وأحلام مصنوعة ليصدق أنه سيكون صاحب قرار أو تأثير بينما هو في الحقيقة أداة تستخدم ثم ترمى، فهذه المنظمات السرية لا تصنع رجال دولة ولا تمنح مكانة حقيقية، بل تتغذى على ضعف النفوس وتبيعها سراباً من القوة والنفوذ.
والمنظمات الإرهابية التي تعمل على تفكيك المجتمعات والعبث بها تحمل من أيديولوجيات لا ترى في الإنسان إلا وسيلة، ومن أبشع ما تقوم عليه أنها تتخلص من أتباعها بعد تنفيذ أي عمل تخريبي فلا مكان فيها لوفاء ولا قيمة فيها لعهد.
وهناك، في تلك اللحظة القاسية تنكشف الحقيقة التي حاولت تجاهلها أنك لم تكن يوماً صاحب قرار بل ورقة عابرة في لعبة أكبر منك تحرّكك الأوهام وتدفعك الوعود الكاذبة حتى تجد نفسك مطارداً من العدالة التي لا تنسى، ومن أجهزة أمنية ترصد وتلاحق، أو خلف قضبان السجون تدفع ثمن ما اقترفت وربما مطارداً حتى من أولئك الذين زعمت أنك واليتهم يسعون لإسكاتك وتصفيتك كي يخفوا آثارهم.
وفي المقابل تبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير، أن مؤسسات الدولة وقياداتها قائمة على الولاء الراسخ والانتماء الصادق وأن من فيها هم أهل ثقة ومسؤولية ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء للوطن والقيادة الرشيدة، فكانوا ركيزة النهضة وعنوان الاستقرار.
وفي مواجهة هذه الأوهام والانحرافات، تقف الأجهزة الأمنية في دولة الإمارات على يقظة لا تعرف الغفلة وخبرة تراكمت عبر سنوات من الرصد والمتابعة، تعمل بصمت محسوب ودقة عالية ترصد الخيوط الأولى وتفكك الشبكات قبل أن تكتمل، وتوثّق الأدلة صوتًا وصورة لتقدم للعدالة بكل شفافية وحزم. فرجال الأمن، أولئك الأبطال الأشاوس الذين يسهرون على راحة المجتمع، لا يطاردون الظلال بل يسبقون الخطر بخطوة يتحركون بعينٍ يقظة وعقلٍ استباقي فيقطعون الطريق على كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الوطن ويقضون على هذه المحاولات بضربة من حديد لا تترك مجالاً للشك ولا فرصة للفرار.
وفي هذا الوطن، لا تعمل الأجهزة الأمنية وحدها، بل يقف المجتمع الإماراتي المتماسك سنداً وشريكاً بوعيه العميق وانتمائه الصادق يرفض كل فكر دخيل ويتصدى لكل محاولة اختراق فتتلاحم الجبهة الداخلية في صورة نادرة من الوحدة والولاء، حيث يصبح كل فرد حارساً لقيم الوطن ومدافعاً عن استقراره. وعندما يجتمع هذا الوعي المجتمعي مع كفاءة الأجهزة الأمنية تتلاشى هذه المنظمات الإرهابية سريعاً، وتطوى صفحاتها في سجل الفشل لتبقى في مزبلة التاريخ بينما يظل الوطن شامخاً بأبنائه الأوفياء، عصيّاً على كل من يحاول النيل منه.
[email protected]
كاتب وإعلامي

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه