د. صلاح الغول
تعاملت القيادة الرشيدة بحكمةٍ بالغة وبشفافيةٍ فائقة مع التنظيم الإرهابي المرتبط بولاية الفقيه في إيران، بعد القبض على عناصره السبع والعشرين لانخراطهم في نشاط سري، والتخطيط لتنفيذ أعمال تستهدف الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي والاستقرار السياسي. فقد تم إعلام الكافة في الداخل والخارج بأسماء هؤلاء المتورطين في التنظيم الإرهابي وصورهم، وبالتهم الموجهة إليهم، والإجراءات التي سوف تُتخذ في حقهم.
لكنّ المرجفين في المدينة عموا وصموا أو تظاهروا بالعمى والصمم، فلم يروا صور هؤلاء الذين اشترى العدو أنفسهم وذممهم، ولم يسمعوا إلى البيانات والتوضيحات الرسمية عن سيرة هؤلاء في التخابر مع «الجيران الأعزاء» على الشاطئ الآخر من الخليج العربي، ولم يتحققوا مما يواجهه أصحاب التنظيم «الإيراني» من تهمٍ تُعد خيانةً عظمى في كل الدول. ولكنّ المرجفين في المدينة لم ينتفعوا بما يرونه أو يسمعونه، وأخذوا في إظهار مشاعر الألم لفقد طائفة من «الإخوان» أوالأقارب، وأظهر بعضهم دموع التماسيح على هذا الفقد، وشرع بعضهم الآخر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في الترويج لشائعات ليس لها أساس من المنطق أو الواقع.
هؤلاء المرجفون في المدينة هم أسوأ حالًا ممن خانوا وطنهم وأماناتهم، وباعوا أنفسهم ل«ولاية الفقيه»، بل وأكثر خطراً على الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي منهم. ولئن لم ينته هؤلاء عن ترويج الإشاعات، ونشر التضليل، وخلق الحقائق البديلة، فسوف يكون مآلهم نفس مآل الذين اتبعوهم بسوء.
إنني لا أتوجه إلى هؤلاء المرجفين، فهم أهون قدراً على الشعب والوطن من الخائنين، لكني أتوجه إلى إخواني وأخواتي من المواطنين والمواطنات وأقول: لا تألموا لأفعال الخائنين، فهم ليسوا منكم ولم يكونوا كذلك وإن أُتخموا من خير هذا الوطن، فلا يستأهلون ألمكم، فقد خانوكم أنفسكم، وكانوا يكيدون لكم مع أعدائكم، ويتربصون بكم وبوطنكم الدوائر «والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون». وكيف تألمون وهم لم يظهروا أي مشاعر عطفٍ عليكم أو رحمة بكم، إذ يبيتون لكم ما لا تتصورون من ضرر، ويؤلبون الأعداء عليكم، ويبصرونهم بالمواقع الحيوية في بلادكم ليستهدفوها، ويهللون لاعتداءاتهم الآثمة التي أصابت إخوانكم وثروتكم الوطنية من بنية تحتية ومؤسسات ومشروعات ومصانع وشركات ومنازل... إلخ.
ولو استطعتُ النفاذ إلى قلوب وعقول هؤلاء الذين تجردوا من كل المشاعر الإنسانية والوطنية مقابل طموحات «إمبراطورية» زائفة تسندها أيديولوجية ثيوقراطية مختلة، أقول: لو استطعتُ النفاذ إلى أفئدتهم، لرأيت أنهم لا يألمون كما يتألم البعض منا لما اقترفته أيديهم، ولا يأسون كما يأسى البعض لمصيرهم. لو استطعتُ النفاذ إلى أفئدتهم، لرأيت أنهم يألمون لفشل مخططهم التخريبي، وعجزهم عن تحقيق أهدافهم الآثمة في النيل من وحدة البلاد والعباد في بر الإمارات، والإضرار بالبيت المتوّحد. نعم، إنهم يألمون كما تألمون، لكن ألمهم غير ألمكم، فألمكم يعبر عن مشاعر فطرية للمواطنة الإيجابية التي ترعاها القيادة الاستثنائية فأنتجت عقيدة تكاملية في صيانة هذا الوطن والذود عنه. أما ألمهم فيتوجه إلى قبلتهم في قم أو الضاحية الجنوبية أو صنعاء لأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا أهداف الذين اتبعوهم من هناك بسوءٍ.
ولو استطعتُ النفاذ إلى عقول هذه الشرذمة المرتبطة بولاية الفقيه، لوجدتُها ترجو لو تنزح ثروات البلاد وترسلها إلى الشاطئ الآخر من الخليج العربي. وقد فعلت شيئاً من ذلك. وتتطلع إلى اليوم الذي تتخذ فيه مدننا وقرانا وشعبياتنا أسماء أعجمية، وتطمح إلى إعادة مجدٍ صفوي غابر في المنطقة والعالم.
يقول غسان كنفاني: حينَ تخون وطنكَ، لن تجد تُراباً يحنُّ عليك يوم موتِك، ستشعر بالبرد حتَّى وأنت مَيِّت.
وأختم حديثي ذا الشجون هذا بمقتطفات من كلمة سمو الشيخ سيف بن زايد في القمة العالمية عام 2015 التي حملت عنوان (المواطنة الإيجابية). يقول سموه: إن المواطنة أكثر من مجرد انتماء يتم إثباته بالأوراق الثبوتية، وهي ليست التغني بالولاء والانتماء القولي فقط، وإنما ممارسة الولاء والاعتناء بالوطن ومصالحه العليا على نحو وثيق ومستمر في مختلف الظروف والأوقات. ويؤكد سموه أن المواطنة الإيجابية والوعي والإدراك تمكن الدول من مواجهة الإرهاب، الذّي يعتبر أخطر التحديات التي تواجه المواطنة الإيجابية.
